فنادق وسط عمّان تشهد تحوّلات تاريخية وسياحية
في قلب العاصمة الأردنية، تروي فنادق وسط عمّان قصصاً امتدت لأكثر من سبعين عاماً، بحسب أصحابها وزوارها. فندق كليف، أحد أقدم هذه المنشآت، مثّل محطة للرحّالة والعمال والحجاج وحراس المسجد الأقصى، قبل أن تتبدّل خريطة الزوار نتيجة الأزمات الإقليمية، فتتحول الاعتمادية تدريجاً نحو الزوار العرب ضمن تقلبات السياحة في عمّان.
شوارع تختزن ذاكرة المدينة وتاريخ الفنادق
تشكل شوارع مثل شارع الملك حسين وشارع فيصل والشارع التجاري محاور أساسية لوجود فنادق وسط عمّان، بحسب المؤرخ سامي أبو حسين. هذه الممرات احتضنت فنادق صغيرة مثل نهر الأردن وبارك والكرنك، فكانت منبرا للحياة الاجتماعية والاقتصادية، وملتقى للصحفيين والطلاب والمثقفين.
من ناحية أخرى، كانت غرف هذه الفنادق مسرحاً لآلاف الحكايات؛ نقاشات سياسية وثقافية، ورسائل وقرارات كتبت داخل أروقتها، ما جعلها جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المدينة. وفي المقابل، شهدت بعض الفنادق تجديدات لتحسين الخدمات بينما حافظت على طابعها الشعبي والجوهري.
فندق كليف: نموذج للطابع الشعبي والتحوّل في الزبائن
يُعد فندق كليف نموذجاً واضحاً لخصوصية فنادق وسط عمّان، إذ حافظ على البنية البسيطة والحمامات المشتركة والغرف الاقتصادية لسنوات طويلة، بحسب مالكه فؤاد جورج. ومع تغيّر أنماط الحضور إثر تراجع السياحة الأجنبية، أُدخلت تعديلات على الغرف لتلائم الزوار العرب، مثل إضافة مكيفات وتلفزيونات وحمامات خاصة.
وأوضح جورج أن عدد الفنادق في وسط البلد تراجع بشكل ملحوظ مقارنة بعقود سابقة؛ فقد كانت المنطقة تضم ما بين مئة وعشرين ومئة وثلاثين فندقاً، بينما يتراوح عددها اليوم بين أربعين وخمسين فندقاً بحسب المعلومات المتاحة من أصحاب القطاع. هذا الانكماش يعود لعوامل اقتصادية وإقليمية مركبة، من بينها حروب وأزمات أثّرت في حركة السفر.
جدران شاهدة على تحولات المجتمع والاقتصاد
تُعدّ جدران هذه الفنادق سجلاً حياً لتقلبات عمّان؛ ففي كل غرفة سلم حجري وممر ضيق ذكرى لمسافر أو طالب أو تاجِر بدأ يومه في السوق أو رحّالة حمل المدينة إلى بلاده. ويرى الخبير الفندقي محمد القاسم أن هذه المباني تضيف قيمة ثقافية وسياحية لا يمكن استنساخها في المشاريع الحديثة، لأنها توفر تجربة فريدة قريبة من المعالم كالمسجد الحسيني والمدرج الروماني.
علاوة على ذلك، تشير الخبرات إلى أن بعض الفنادق القديمة نجحت في التحديث دون فقدان الطابع التاريخي، فحصلت على رضا شرائح من السياح الباحثين عن تجربة محلية أصيلة بعيداً عن سلاسل الفنادق المتماثلة.
تداعيات الحرب على غزة وتأثيرها على السياحة في عمّان
تأثرت حركة السياحة في عمّان بشكل مباشر بفترات التوتر الإقليمي، ولا سيما الحرب على غزة التي أدت إلى تراجع رحلات شركات الطيران منخفضة التكلفة، الأمر الذي انعكس سلباً على نسب الإشغال في فنادق وسط المدينة. ونتيجة لذلك، تضررت أيضاً مطاعم ومقاهٍ ومحالّ تجارية تعتمد على حركة الزوار القادمين عبر هذه الفنادق.
من جهة أخرى، شهدت سنوات التعافي بعد جائحة كورونا تحسناً في الإشغال، ما دفع بعض الفنادق إلى تجديد مرافقها خلال عامَي التعافي. مع ذلك، تعيد الأحداث الأخيرة ترتيب أولويات أصحاب الفنادق، الذين يبحثون عن مزيج من المحافظة على الهوية واستقطاب زبائن محليين وإقليميين.
تجارب الزوار وتنوع الوفود
تنوّعت وفود نزلاء فنادق وسط عمّان بين رحّالة أوروبّيين وحجّاج وعسكريين وطلبة وعمال، كما بقيت بعض الفنادق موطناً مؤقتاً لحراس المسجد الأقصى منذ عقود. هذا التنوع أعطى المنطقة بعداً إنسانياً واجتماعياً انعكس في الأسواق الشعبية والأنشطة المحيطة.
حماية الفنادق حماية لذاكرة العاصمة
يؤكد مختصون أن الحفاظ على فنادق وسط عمّان لا يقتصر على صيانة مبانٍ، بل يعني حماية جزء من ذاكرة العاصمة وهويتها العمرانية والسياحية. وتشير تقارير محلية إلى أن وجود سياسات لحماية التراث العمراني وتقديم حوافز للتجديد المستدام قد يخفف من خطر الإغلاق والاندثار لهذه المنشآت.
في المقابل، يحتاج الحفاظ إلى تنسيق بين البلديات ووزارة السياحة وأصحاب الفنادق والمجتمع المدني، لأن أي مبادرة فعّالة ستجمع بين القيمة الثقافية والجدوى الاقتصادية لضمان استمرارية هذه التجربة الفندقية التقليدية.
خلاصة ونظرة مستقبلية
تظل فنادق وسط عمّان شاهدة على تاريخ اجتماعي وثقافي يمتد لعقود، وتتمتع بقيمة لا تعوضها المباني الحديثة. ومع أن تحديات السياحة في عمّان المرتبطة بالأزمات الإقليمية تؤثر على الاستقرار الاقتصادي لهذه الفنادق، فإن جهود التحديث المدروسة وحماية التراث قد تعيد لها جزءاً من دورها التقليدي.
يتوقع أصحاب المصلحة متابعة آثار التطورات الإقليمية على معدلات السفر خلال الأشهر المقبلة، مع إمكانية ظهور مبادرات محلية لإعادة تنشيط السوق وجذب شرائح جديدة من الزوار. على القارئ متابعة سياسات التراث والسياحة ومبادرات التجديد التي قد تعلن عنها الجهات الرسمية وخبراء القطاع في الفترة المقبلة.



