في مشهد الثقافة العربية، نادرًا ما نلتقي بأسماء استطاعت أن تحلق بأكثر من جناح في سماء الأدب، تجمع بين الشعر والترجمة والعمل الأكاديمي، وتنسج منها مسارًا متماسكًا وطويل النفس كما فعل الكاتب والمبدع رضا مامي. أكثر من نصف قرن قضاه متنقلاً بين الكلمات والحروف، وبين الثقافتين العربية والإسبانية، لم يكن مجرد مسار مهني، بل راكم تجربة إنسانية عميقة في العبور بين اللغات وبناء الجسور بين الحضارات. هذا المقال يسلط الضوء على مسيرة هذا المبدع الاستثنائي وإنجازاته المتنوعة.
رضا مامي: شاعر وترجم وباحث.. تجربة فريدة في خدمة الثقافة العربية
الدكتور رضا مامي، المولود في تونس عام 1954، يمثل حالة فريدة في المشهد الثقافي العربي. فهو ليس مجرد شاعر أو مترجم أو باحث أكاديمي، بل هو تجسيد للتكامل بين هذه الأدوار. تتميز تجربته الخاصة في نقل الشعر العربي إلى اللغة الإسبانية بأنها ليست مجرد ترجمة حرفية، بل إعادة خلق للنص في سياق ثقافي جديد، مما يجعله وسيطًا ثقافيًا متميزًا. تتسم أعماله بتجاور مشاعر الحنين والغربة، والرمزية والمتعة اللغوية، مع طرح أسئلة دائمة حول الأصالة والحداثة والذاكرة والراهن.
بين الشعر والترجمة: رحلة عبر اللغات والثقافات
تنوعت أعمال رضا مامي لتشمل الشعر والنقد والترجمة. من أبرز أعماله كتاب “من عيون شعر الشابي” الذي نقل فيه مختارات من أشعار أبي القاسم الشابي إلى الإسبانية، وكتاب “قرطاج أرض الإلهام”، وهو مؤلف جماعي شارك فيه أكاديميون وشعراء من 11 بلدًا. إضافة إلى دواوينه الشعرية مثل “أقمار خريف” و “أقمار ربيع” و”الشّاعر والقمر”، و أكثر من 14 مؤلفًا بين كتب نقدية إبداعية ودواوين شعرية وترجمات نُشرت في إسبانيا وأمريكا اللاتينية. هذا التنوع يعكس قدرته على التنقل بين مختلف الأشكال الأدبية والثقافية، وتقديم أعمال ذات قيمة فنية وفكرية عالية.
الأكاديمية والبحث العلمي: بناء جسور المعرفة
لم يقتصر إبداع رضا مامي على الأدب، بل امتد إلى المجال الأكاديمي. فقد أشرف على عشرات البحوث الأكاديمية وأطروحات الدكتوراه، وتخرج على يديه أجيال كثيرة من الباحثين. كما شارك في ما يزيد عن 90 مؤتمرًا دوليًا، مما كرس حضوره بوصفه جسرًا معرفيًا حيًا بين الثقافة العربية والعالم الناطق بالإسبانية. هذا الدور الأكاديمي يعزز من مكانته كشخصية ثقافية مؤثرة، قادرة على نقل المعرفة وتبادل الخبرات بين الثقافات المختلفة.
تكريم دولي ومسيرة حافلة بالإنجازات
في تتويج دولي لمسيرته الطويلة، أصبح رضا مامي في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2025، أول عربي وأفريقي ينضم إلى الأكاديمية المكسيكية للتاريخ والجغرافيا، بعد أن كان قد انضم سنة 2023 إلى أكاديمية أمريكا الشمالية للأدب العالمي المعاصر في نيويورك. هذا الاعتراف العالمي بمجهوداته في مجالات الأدب المقارن والترجمة والدراسات الثقافية، يمثل تقديرًا لمكانته كأحد أبرز المثقفين العرب المعاصرين. في المقابل، يثير هذا التكريم تساؤلات حول غياب الاعتراف الفضاء الثقافي العربي بهذه التجربة المتفردة.
حوار مع رضا مامي: رؤى في الشعر والثقافة والحرية
في حوار معه، تحدث رضا مامي عن رؤيته للشعر وكيف يمكن للكلمات أن تتحول إلى جسور بين الثقافات والقلوب، وعن العلاقة المعقدة بين الأكاديمية والإبداع، ودور المثقف في مواجهة السلطة والدفاع عن الحرية والعدالة. كما استعرض أفكاره حول الثورة التونسية والأندلس والموريسكيين، وكيف يوازن في مشروعه بين التراث والحداثة وبين الذات والآخر.
بين الأكاديمي والشاعر والمترجم: الهوية المتعددة
“نصف قرن في عوالم اللغة الإسبانية وثقافاتها كان كافيًا لأكون مترجمًا، ونصف قرن في عوالم الحروف والكلمات كان كافيًا ليتحول الاهتمام باللغة إلى شغف بالكلمة ويجعلني شاعرًا بالعربية والإسبانية”، هكذا عرّف رضا مامي عن نفسه، مؤكدًا على التكامل بين هوياته المختلفة. وأوضح أن طموحه لم يقتصر على نقل الثقافة الإسبانية إلى العالم العربي، بل امتد إلى عولمة شعراء تونس والعرب في المجال الإسباني.
الثورة التونسية: بين الآمال والتحديات
بالحديث عن الثورة التونسية، يرى رضا مامي أنها حدث خارق يتماثل مع كل الثورات الشعبية في العالم. لكنه يشير إلى أن غياب التحضير الفلسفي والمعرفي للماقبل الثوري أدى إلى غياب الأسس والتأسيس المابعد ثوري. ويؤكد أن الثورة كانت حركة شعبية عفويّة لم تنتج كتلة تاريخيّة قادرة على تحقيق القطيعة مع الماضي الاستبدادي.
دور المثقف في مواجهة السلطة والدفاع عن الحرية
يؤكد رضا مامي على أن المثقف هو “نبيّ” شعبه، وأن شعره هو الكتاب الذي يوحي بالحريّة والعدالة والثورة. ويشير إلى ضرورة التفريق بين المثقف التنويري والموظف الأكاديمي، فالأول يفكّر لغيره، والثاني يفكّر لنفسه. ويشدد على أن المثقف العضوي هو المثقف الفاعل في المجتمع الملتحم بالشعوب في طموحاتها.
إرث الأندلس: حنين أم مشروع تفكير حضاري؟
يرى رضا مامي أن إرث الأندلس لا يزال حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي العربي، ولكنه غالبًا ما يُستدعى بوصفه حنينًا أو أسطورة أكثر منه مشروع تفكير حضاري. ويؤكد على أن العالم الإسباني بدأ يراجع الروايات الرسمية التي تدين التاريخ العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيريّة، مما مهّد الطريق لبناء جسر ثقافي وحضاري بين العالمين العربي والإسباني. رضا مامي يمثل نموذجًا للمثقف العربي الذي يسعى إلى بناء جسور التواصل بين الثقافات المختلفة، وتقديم إسهامات قيمة في خدمة الثقافة العربية والعالمية. الترجمة و الأدب المقارن هما أدواته في هذا المسعى النبيل.



