مهرجان صاندانس السينمائي 2026 يضع غزة والسينما المستقلة في صميم اهتمامه

يفتتح مهرجان صاندانس السينمائي 2026 في 22 يناير/كانون الثاني، مُدشنًا دورة جديدة لأحد أهم التجمعات السينمائية المستقلة في العالم. يُعرف المهرجان بكونه منصة رائدة لسرد القصص ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية العميقة، وها هو يعود هذا العام ببرنامج غني يتناول قضايا ملحة مثل الطب، والحرب، والنزوح، والحياة تحت وطأة الضغط السياسي المتواصل. ويُظهر مهرجان صاندانس اهتمامًا خاصًا بالسرديات الفلسطينية والعربية، مما يعكس التزامه بتسليط الضوء على أصوات مهمشة وقضايا عالمية تستحق الاهتمام.

برنامج غني ومتنوع في دورة 2026

تشتمل دورة مهرجان صاندانس السينمائي لعام 2026 على برنامج واسع النطاق، يؤكد مكانته كأضخم منصة عالمية للسينما المستقلة. يشارك في هذه الدورة 144 فيلمًا، تتنوع بين أعمال طويلة وقصيرة، مما يوفر للجمهور فرصة استكشاف مجموعة متنوعة من المواهب والقصص. ويضم البرنامج 90 فيلمًا طويلًا (روائيًا ووثائقيًا)، موزعة على مسابقات السينما الأميركية والعالمية، وأقسام العروض الأولى، بالإضافة إلى 54 فيلمًا قصيرًا ضمن برنامج الأفلام القصيرة، الذي يُعتبر من أكثر أقسام المهرجان تنافسية.

هيمنة أمريكية مع انفتاح على التجارب الدولية

تستحوذ الأفلام الأميركية على النسبة الأكبر من البرنامج، خصوصًا في فئات السينما الروائية والوثائقية الأميركية، إلى جانب حضور أميركي لافت في قسم الأفلام القصيرة. هذا يؤكد استمرارية صاندانس كمنصة رئيسية لاكتشاف السينما الأميركية المستقلة. ومع ذلك، يحرص المهرجان على التوازن من خلال انفتاحه المتنامي على التجارب السينمائية الدولية والعابرة للحدود، وهو ما يتجلى بوضوح في المشاركات العربية والفلسطينية المتميزة هذا العام.

“طبيب أميركي”: نافذة على الواقع في غزة

يبرز فيلم “طبيب أميركي” (American Doctor)، للمخرجة بوه سي تينغ، كأحد أبرز الأعمال المنتظرة في مهرجان صاندانس 2026. يشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الوثائقية الأميركية، ويقدم تحليلًا معمقًا لعمل الأطباء في ظروف الحرب على غزة. من خلال هذا الاختيار، يضع المهرجان الممارسة الطبية في صميم الصراع، محولًا التركيز من الاستراتيجيات العسكرية إلى التكلفة الإنسانية الباهظة التي يتحملها المدنيون ومقدمو الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية.

التركيز على التكلفة الإنسانية للحرب

يؤكد وجود الفيلم استمرار انخراط مهرجان صاندانس في تناول قضية غزة، بوصفها قضية إنسانية وسينمائية ملحة. يركز الفيلم على ثلاثة أطباء أميركيين من خلفيات دينية متنوعة، بينهم طبيب فلسطيني، يدخلون غزة خلال الحرب، ليجدوا أنفسهم في مواجهة واقع العمل الطبي القاسي وسط القصف ونقص الموارد. يُظهر الفيلم كيف تتحول الممارسة الطبية إلى اختبار أخلاقي وإنساني مباشر، وكيف يكابد الأطباء المعاناة النفسية والجسدية أثناء علاج المدنيين.

حضور عربي وفلسطيني قوي في صاندانس

يشهد مهرجان صاندانس السينمائي 2026 حضوراً عربياً وفلسطينياً لافتاً، يتوزع على أقسامه التنافسية الرئيسية، لا سيما في السينما الوثائقية. هذا الحضور يعكس التزام المهرجان بتقديم قصص متنوعة من جميع أنحاء العالم، ويسلط الضوء على قضايا الحرب والهوية وتجارب العيش تحت وطأة ضغط سياسي وإنساني طويل الأمد.

أفلام وثائقية وروائية تسلط الضوء على قضايا المنطقة

في المسابقة الوثائقية، يبرز فيلم “من قتل أليكس عودة” (?Who Killed Alex Odeh)، من إخراج جيسون أوسدير وويليام ليفي يومانز، والذي يتناول اغتيال الناشط الفلسطيني الأميركي أليكس عودة في كاليفورنيا عام 1985. أما في مسابقة السينما العالمية الوثائقية، فيشارك فيلم “طيور الحرب” (Birds of War)، للمخرجة جاناي بولس، الذي يوثّق علاقة بين صحافية لبنانية وناشط سوري. ويقدم فيلم “واحد في المليون” (One in a Million)، للمخرجة عتاب عزام وجاك ماكينيس، رصداً لتجربة عائلة سورية على مدى عشر سنوات من الحرب واللجوء. وفي السينما الروائية، يحضر فيلم “ماء ساخن” (Hot Water)، للمخرج رمزي باشور، ليقدم معالجة درامية لمسائل الانتماء والتوتر الثقافي. هذا التنوع يؤكد أن الحضور العربي في صاندانس ليس هامشيًا، بل هو جزء أصيل من البرنامج.

صناعة الأفلام في ظل التحديات السياسية

لم يأتِ برنامج عام 2026 بمعزل عن نهج المهرجان في العقد الماضي، حيث دأب مهرجان صاندانس على عرض أفلام تتناول فلسطين والعالم العربي. وشملت الدورات السابقة أفلامًا وثائقية وروائية تتناول الاحتلال، وتقنيات المراقبة، وأنظمة الحدود، وهوية الشتات، بالإضافة إلى نقاشات حول أخلاقيات صناعة الأفلام في بيئات مشحونة سياسيًا. يُعد المهرجان منصة للتفكير النقدي في سياسات سرد القصص نفسها، ويسلط الضوء على التحديات التي يواجهها صانعو الأفلام العاملون في ظل الظروف الصعبة.

الحرب من منظور إنساني

من أبرز سمات برنامج عام 2026 تناولُه الحربَ من منظور هيكلي، واستعراض كيف يعيد الصراع تنظيم المهن والعلاقات الأسرية والأعراف الاجتماعية. يأتي فيلم “الطبيب الأميركي” ضمن مجموعة أعمال أوسع تستكشف كيفية استمرار الأفراد في العيش والعمل واتخاذ القرارات الأخلاقية في ظل الأزمة. هذا المنظور يتماشى مع توجهات أوسع في صناعة الأفلام الوثائقية المعاصرة، التي باتت تفضل الملاحظة الطولية على السرد القائم على الأحداث. من المتوقع أن تثير هذه الأفلام نقاشًا واسعًا حول قضايا الحياد والمسؤولية في المؤسسات الثقافية، وتُقرأ كبيانات أخلاقية بالإضافة إلى كونها قرارات فنية. السينما المستقلة تلعب دورًا حيويًا في تشكيل الوعي العام حول هذه القضايا.

باختصار، مهرجان صاندانس السينمائي 2026 يمثل منصة هامة للسينما المستقلة التي تتناول قضايا سياسية واجتماعية ملحة، مع تركيز خاص على السرديات الفلسطينية والعربية. من خلال عرض هذه الأفلام، يساهم المهرجان في إثراء النقاش العام وتعزيز التفاهم بين الثقافات. ندعوكم لمتابعة فعاليات المهرجان والتفاعل مع الأفلام والقصص التي يقدمها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version