رغم الإعجاب المتبادل تاريخيًا بين الحركات الصهيونية والفاشية، غالبًا ما يُنظر إليهما على أنهما مساران سياسيان منفصلان. لكن عند التدقيق في جذورهما المشتركة من خلال عدسة العنصرية والاستعمار والإمبريالية الغربية، تتضح الروابط العميقة التي تربطهما. يشهد العالم اليوم عودة مقلقة لـ”الإسلاموفوبيا” (رهاب الإسلام) وتداعياتها من كراهية وتمييز، تتغذى من حالة الذعر التي أثارها الاحتجاج العالمي ضد الأحداث المأساوية في غزة، وتتجلى في اعتصامات جامعية وحركات شعبية واسعة النطاق. هذه الموجة الفاشية الجديدة تجد في “معاداة السامية” (Antisemitism) ذريعة لتبرير أفعالها، لكن تعريف هذه المعاداة خضع لتحول خطير.
الصهيونية والفاشية: تقاطع الأيديولوجيات
لم تعد “معاداة السامية” تعني كراهية اليهود بسبب دينهم أو أصلهم، بل أصبحت تشمل أي انتقاد لممارسات إسرائيل، سواء كانت استيطانًا، أو اقتلاعًا، أو عنفًا، أو حتى إبادة جماعية. هذا التحول يهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة للسياسات الإسرائيلية، وتصوير أي شخص يرفض الاحتلال أو الإبادة الجماعية على أنه معاد للسامية. هذا التشويه يفتح الباب أمام تبرير قمع الحريات وتقييد الحقوق، وهو ما نراه يتجسد في قوانين مكافحة “معاداة السامية” التي تُصدر في العديد من الدول الغربية.
في ندوة إلكترونية حديثة، ناقشت الأكاديمية اليهودية الأوروبية المناهضة للصهيونية، ألانا لنتين، العلاقة المعقدة بين الصهيونية والفاشية، والاستعمار الغربي. لنتين، المتخصصة في دراسة البعد العنصري في السياسة والثقافة الغربية، ترى أن فهم هذه العلاقة يتطلب النظر إلى الفاشية من منظور مختلف، وهو منظور المفكرين الراديكاليين السود الذين أكدوا على دور العنصرية والاستعمار في تشكيلها.
إشكالية تعريف الفاشية: منظور الراديكاليين السود
غالبًا ما يتم تعريف الفاشية على أنها نظام استبدادي قومي، لكن هذا التعريف يتجاهل الجذور العميقة للعنصرية والاستعمار التي تغذيها. يرى المؤرخون الليبراليون عادةً أن الفاشية انحراف عن المسار السياسي الأوروبي، بينما يرى المفكرون الراديكاليون السود أنها تجسيد لـ”الهزائم الساحقة” التي مني بها السود في كوبا وهايتي وليبيريا، وأنها ليست مجرد ظاهرة قومية، بل هي “مكونة من مواد أيديولوجية وسياسية وتكنولوجية” للحضارة الغربية برمتها.
هذا المنظور يفتح الباب أمام فهم أعمق للصلة بين الصهيونية والفاشية. فكلاهما يرتكز على فكرة التفوق العرقي، وكلاهما يمارس الاستعمار والاحتلال. كما أن كلاهما يستخدم العنف والقمع لتحقيق أهدافه. الصهيونية، من هذا المنطلق، ليست مجرد حركة تحرير وطني، بل هي مشروع استعماري عنصري يهدف إلى إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، بغض النظر عن حقوق الفلسطينيين.
الفاشية الإيطالية والصلة بالصهيونية
حتى في سياق الفاشية الإيطالية، يميل التأريخ السائد إلى التقليل من دور العنصرية. لكن روبنسون يوضح أن موسوليني كان يؤمن بتفوق العرق الإيطالي، وأن علاقته بالصهاينة كانت مبنية على حسابات سياسية بحتة. فقد رأى موسوليني أن الصهاينة يمكن أن يكونوا “أدوات مفيدة” لزعزعة استقرار الانتداب البريطاني في فلسطين، وأنهم يمكن أن يساعدوا في “تهدئة” السكان اليهود في ليبيا وشرق أفريقيا.
هذا التواطؤ الصهيوني مع الفاشية الإيطالية يكشف عن مركزية “العرق” في كلتا الأيديولوجيتين. فقد كان الصهاينة يرون في الفاشية حليفًا محتملًا في تحقيق أهدافهم الاستعمارية، بينما كان الفاشيون يرون في الصهاينة أداة لتحقيق مصالحهم الإمبريالية.
التجارب الطبية والبحث عن “الإنسان الإسرائيلي”
يتجلى هذا الهوس بالعرق في الممارسات الصهيونية، مثل التجارب الطبية التي أُجريت على اليهود العرب والفلسطينيين. كان الهدف من هذه التجارب هو تتبع السلالة الجينية لـ”الإنسان الإسرائيلي” (Homo Israelensis)، وإثبات تفوقه العرقي. هذه الممارسات تذكرنا بتجارب النازيين، وتعكس نفس العقلية العنصرية التي كانت سائدة في أوروبا في ذلك الوقت.
الصهيونية كجزء من حركة عالمية
تخلص ألانا لنتين إلى أن الصهيونية هي أيديولوجية فاشية لأنها تمثل رأس حربة للعنصرية الغربية والاستعمار والإمبريالية. وهي ليست ظاهرة فريدة من نوعها، بل هي جزء من حركة عالمية تتجلى في صعود الحركات اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء العالم. كما أن الصهيونية تجسد طموحات دعاة التفوق العنصري، وتستفيد من حالة الذعر التي يخلقها “الإسلاموفوبيا” (Islamophobia) ومعاداة السامية (Antisemitism).
إن فهم العلاقة بين الصهيونية والفاشية يتطلب النظر إلى التاريخ من منظور نقدي، وإدراك أن العنصرية والاستعمار والإمبريالية ليست مجرد أخطاء تاريخية، بل هي قوى مستمرة تشكل عالمنا اليوم. يجب علينا أن نرفض أي محاولة لتبرير العنف والقمع باسم “معاداة السامية” أو أي أيديولوجية أخرى، وأن ندافع عن حقوق جميع الشعوب، بما في ذلك الشعب الفلسطيني. هذه المقالة تهدف إلى إثارة النقاش حول هذا الموضوع الهام، وتشجيع المزيد من البحث والتحليل.


