في موقع البص بمدينة صور جنوب لبنان، يشهد التراث العالمي صراعًا من أجل البقاء. ففي 31 مارس 2026، تصدرت علامة “الدرع الأزرق” مدخل الموقع الأثري، في محاولة يائسة لحمايته من الغارات الإسرائيلية المتصاعدة، بعد ضربة مدمرة استهدفت محيطه مباشرة. هذه المبادرة، جزء من جهود أوسع لحماية التراث اللبناني، تأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتأثيرها المباشر على المواقع الثقافية والتاريخية.
تصاعد المخاطر على مدينة صور الأثرية
تعتبر صور، إحدى أقدم مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، كنزًا دفينًا من الآثار التي تعود إلى الحقبة الرومانية وغيرها. ورغم بعدها نحو 20 كيلومترًا عن الحدود مع إسرائيل، إلا أنها لم تسلم من الهجمات المتكررة منذ اندلاع الحرب الأخيرة. المدينة، التي تضم مقبرة أثرية وقوس نصر ضخم وقنوات مائية وميدان سباق خيل، تواجه خطرًا حقيقيًا بالضرر أو التدمير.
الجيش الإسرائيلي وجه إنذارات متكررة لسكان صور لإخلائها بالكامل، لكن العديد من العائلات رفضت الامتثال، مفضلة البقاء في منازلها رغم المخاطر. هذا الرفض يعكس ارتباطًا عميقًا بالمدينة وتاريخها، بالإضافة إلى الخوف من فقدان كل ما يملكون.
مبادرة “الدروع الزرقاء” وحماية التراث العالمي
تأتي مبادرة “الدروع الزرقاء”، التي أطلقتها لجنة تابعة لمنظمة اليونسكو، كاستجابة لهذه التهديدات المتزايدة. شملت المبادرة أكثر من 30 موقعًا أثريًا في لبنان، بما في ذلك آثار صور، حيث تم وضع علامات زرقاء عليها كرسالة واضحة للجيش الإسرائيلي.
تستند هذه المبادرة إلى اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تلزم الأطراف المتحاربة بحماية الملكية الثقافية في حالة النزاع المسلح. الهدف هو التأكيد على أن هذه المواقع ليست أهدافًا عسكرية، وأن تدميرها يعتبر جريمة حرب. حماية المواقع الأثرية ليست مجرد مسألة ثقافية، بل هي أيضًا التزام قانوني وأخلاقي.
الغارة المدمرة وتداعياتها المأساوية
في 6 مارس 2026، تعرضت صور لغارة إسرائيلية مباشرة على بعد أمتار قليلة من الموقع الأثري. أسفرت الغارة عن مقتل ثمانية أشخاص من عائلة واحدة، وتحول منزلهم إلى كومة من الركام. هذا الحادث المأساوي سلط الضوء على هشاشة الوضع وخطورة التهديدات التي تواجهها المدينة.
نادر سقلاوي، مدير الحفريات الأثرية في منطقة الجنوب بوزارة الثقافة، يصف الحادث قائلًا: “كانوا جيراننا.. ظنوا أن وجودهم بالقرب من الموقع الأثري يحميهم، باعتبار أن التراث العالمي لا يفترض أن يتعرض للقصف خلال الحروب والنزاعات المسلحة”. ويضيف سقلاوي أنه بعد الغارة، تم العثور على أشلاء بشرية على سطح المتحف الذي لا يزال قيد الإنشاء.
لحسن الحظ، لم تلحق الغارة أضرارًا بالمقبرة الأثرية أو بقوس النصر أو القنوات المائية أو ميدان سباق الخيل، وهي آثار تعكس ازدهار الحقبة الرومانية في المنطقة. ومع ذلك، فإن الحادث يذكرنا بالخطر الدائم الذي يهدد هذا التراث التاريخي.
تحديات الحماية ونقل الآثار
تجددت الحرب بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس 2026، مما زاد من تعقيد جهود حماية الآثار. يتعين على خبراء الآثار إجراء بحث دقيق للكشف عن أي تصدعات أو أضرار هيكلية قد تكون ناجمة عن الغارات.
دافيد ساسين، من التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ألف)، يشير إلى أن لبنان غني بالكنوز الأثرية، لكن لا توجد مساحة كافية في مخازن بيروت لنقل جميع الآثار المهددة. كما أن نقل الآثار إلى بيروت يظل محفوفًا بالمخاطر في ظل غياب ضمانات لتحييدها عن الغارات.
خلال الحرب السابقة عام 2024، تم نقل بعض العملات الذهبية والجرار والتوابيت الثمينة إلى بيروت، حيث لا تزال محفوظة. ومع ذلك، فإن هذه العملية ليست سهلة أو مضمونة.
مناشدات حراس التاريخ
يعرف الإسرائيليون كل شيء عن الموقع الأثري في صور، كما يؤكد سقلاوي. مصطفى نجدي، أحد حراس الموقع، يروي لحظات الغارة: “سمعت ضربة قوية جدًا وتهشم الزجاج. هربت من المكان وأبلغت السلطات. كانت هناك أشلاء، وكان الوضع صعبًا جدًا”.
ويضيف نجدي بأسف: “لا أحد يهتم لأمرنا (…)، نتمنى أن يمارس كل من يستطيع الضغط لوقف تلك الهمجية.. تمثل هذه الحضارة التاريخ وتمثل لبنان وتمثل الجميع، لبنانيين وغير لبنانيين”. هذه المناشدة تعبر عن يأس حراس التاريخ الذين يسعون جاهدين لحماية المواقع الأثرية في لبنان من الدمار.
في الختام، يمثل الوضع في صور تحذيرًا صارخًا بشأن خطر فقدان التراث الثقافي في مناطق النزاع. إن حماية هذا التراث ليست مجرد مسؤولية محلية، بل هي مسؤولية دولية تتطلب تضافر الجهود والضغط من أجل احترام القانون الدولي وحماية الملكية الثقافية. يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك الآن لضمان بقاء هذه الكنوز التاريخية للأجيال القادمة.


