التطورات الجارية في فنزويلا وجاراتها في أمريكا الجنوبية تثير تساؤلات حول نظرتنا لهذه الدول، وكيف تغيرت هذه النظرة عبر القرون من منظور عربي ومشرقي. هذه المقالة تستكشف هذا التحول من خلال مقارنة رحلتين تاريخيتين: رحلة إلياس حنا الموصلي في القرن السابع عشر، ورحلة محمد ثابت في القرن العشرين، لتسليط الضوء على الانتقال من “هوس الذهب” إلى “هاجس التنمية” في العقل العربي تجاه “العالم الجديد”.
## نظرة أولى إلى أمريكا الجنوبية: من الذهب إلى التنمية
تُعد رحلتا إلياس حنا الموصلي ومحمد ثابت بمثابة نافذتين على التغيرات في التصور العربي لأمريكا الجنوبية. فبينما كانت رحلة الموصلي مدفوعة بالبحث عن الثروات المعدنية، جاءت رحلة ثابت مدفوعة بالبحث عن أسباب النهضة والتقدم. هذه المقارنة تكشف عن تحول جذري في العقلية العربية، من التركيز على الاستغلال إلى التركيز على الفهم والتطوير.
### إلياس الموصلي.. انبهار بكنوز الأرض
كانت رحلة إلياس الموصلي، أول شرقي يزور أمريكا الجنوبية في القرن السابع عشر، انعكاسًا لعقلية عصره. كان الموصلي، بصفته رجل دين، يسعى للحصول على الدعم المالي، ولهذا تركز وصفه على الثروات المعدنية الهائلة الموجودة في القارة الجديدة.
وصف الموصلي مناجم الفضة في مدينة “بوتوسي” (Potosí) البوليفية بتفصيل دقيق، وشرح طرق استخراج الفضة باستخدام الزئبق. لم يقتصر دوره على الوصف، بل انخرط في التجارة، حيث اشترى الذهب والفضة الرملية من القرى المحلية. كان يقيس ثروة البلاد بكمية المعادن التي تُشحن إلى إسبانيا، وذكر أرقامًا مذهلة مثل “25 مليونًا” من الذهب والفضة.
كما نقل الموصلي قصصًا عن الكنوز المخفية، مثل “مغارة الذهب” التي أخفتها ابنة أحد الهنود، وعن الهنود الذين ألقوا سلاسل ذهبية في البحيرة لمنع الإسبان من الاستيلاء عليها. امتد وصفه ليشمل اللؤلؤ في جزيرة “مرغاريتا” والزمرد، مع تحذيرات بشأن خطورة الوصول إليه.
### المدينة مركزا للجباية والريف ممرا للخطر
لم يرَ الموصلي المدن كحواضر ديموغرافية، بل كمراكز لإدارة الثروة وقلاع دينية. ركز وصفه على مدن مثل “ليما” (مقر الوزير ومركز الحكم) و”بوتوسي” (مركز مناجم الفضة)، حيث توجد “السراي” والكنائس الكبرى وديوان تفتيش الإيمان.
أما الريف، فكان بالنسبة له مساحات شاسعة محفوفة بالمخاطر، تقطنها قبائل الهنود. وصف القرى كمحطات للمبيت أو التزود بالمؤونة، وغالبًا ما كانت “قرى هنود” يديرها كاهن إسباني. أشار إلى صعوبة الطرق والخوف من “الهنود الكفرة” أو اللصوص في تلك المناطق النائية.
### سيادة رجال الدين في المجتمع
يظهر المجتمع في وصف الموصلي محكومًا بسلطة الكنيسة المطلقة. ذكر تفاصيل دقيقة عن نفوذ “ديوان الإيمان” (محاكم التفتيش)، وكيف أن المطارنة والكهنة يملكون سلطة تضاهي الحكام. تحدث عن الثراء الفاحش للكنائس المزينة بالذهب والفضة.
كما رصد الموصلي تسخير الهنود في المناجم، مشيرًا إلى أن “سبعمائة هندي” يعملون في باطن الجبل في “بوتوسي”، وأن القانون يلزم القرى بإرسال واحد من كل خمسة رجال للعمل القسري في المناجم.
## محمد ثابت.. تشريح أسباب الحضارة
في المقابل، جاءت رحلة محمد ثابت في ثلاثينيات القرن العشرين بعين “المربي والجغرافي” الذي يقارن حال تلك البلاد بوطنه (مصر)، باحثًا عن أسباب التقدم الاقتصادي والاجتماعي. اهتم ثابت برصد الحالة التعليمية كأداة للحراك الاجتماعي، وأجرى مقارنة مؤلمة مع الأرجنتين، مشيرًا إلى أن نسبة الأمية هناك ضئيلة، وأن التعليم إلزامي ومجاني ويشمل تعلم اللغات الأجنبية.
### التركيز على التعليم والمكانة الاجتماعية للمرأة
ركز ثابت بشدة على المكانة الاجتماعية للمرأة، ولاحظ في تشيلي والأرجنتين الحرية المطلقة للنساء، ومغازلة الرجال لهن علنًا في الشوارع كنوع من “الذوق”. كما انتقد “الإسراف في المجون” في مدن مثل نيويورك وبنما، واصفًا حياة الليل الصاخبة واختلاط النساء بالرجال بحرية تامة.
رصد ثابت ظاهرة اختلاط الأجناس في البرازيل، مشيدًا بعدم وجود فوارق عنصرية، حيث يختلط السود والبيض في المدارس والشوارع. بينما في الولايات المتحدة، رصد التمييز العنصري ضد السود ونقده.
### من البحث عن الكنوز إلى الإنتاج
انصب التركيز في رحلة ثابت على “الذهب الأخضر” (الزراعة) والإنتاج، حيث وصف “البن” في البرازيل بأنه عماد الثروة، وتحدث بلغة الأرقام الاقتصادية عن سياسة الدولة في حرق الفائض للحفاظ على الأسعار. وفي الأرجنتين، لم يتحدث عن الفضة، بل عن القمح واللحوم، وركز على “البرادات” ومصانع اللحوم التي تصدر للعالم.
حتى عندما زار مناطق المعادن في تشيلي، وصفها بعين الاقتصادي الذي يرى فيها “أسمدة” للعالم وموادا صناعية، لا مجرد كنوز.
### التنمية البشرية والعمرانية
انبهر ثابت بالمدن الحديثة وتخطيطها، ووصف “ريو دي جانيرو” و”بوينس آيرس” وناطحات السحاب والشوارع المنسقة، معتبرًا إياها تفوق العواصم الأوروبية في الجمال والنظام. ركز بشكل كبير على “التعليم” كأداة للثروة، وأجرى مقارنة مؤلمة بين نسبة الأمية في الأرجنتين ومصر.
أعجب بالبنية التحتية الجبارة، مثل “قناة بنما” التي اعتبرها من عجائب الدنيا، وسكك الحديد التي تشق جبال الأنديز. لم يغفل ثابت عن الجانب المظلم للثروة، حيث رصد التفاوت الطبقي والفقر في بعض المناطق رغم غنى الدولة، وانتقد “الفساد الحكومي”.
## خلاصة: تحول في النظرة العربية
تُظهر المقارنة بين رحلتي الموصلي وثابت تحولًا جذريًا في النظرة العربية تجاه أمريكا الجنوبية. فبينما كانت النظرة الأولى مشدودة إلى بريق المعادن والخوارق، جاءت النظرة الثانية فاحصة لأسباب النهضة والعمران. هذا التحول يجسد الانتقال من “هوس الذهب” إلى “هاجس التنمية”، وهو تحول يعكس تطورًا في العقلية العربية نحو فهم أعمق للعوامل التي تدفع التقدم والازدهار. هذه الرحلات التاريخية تقدم دروسًا قيمة حول أهمية التعليم والتخطيط والتنمية المستدامة في بناء مستقبل أفضل.


