أزمة استبعاد راندة عبد الفتاح: صدمة ثقافية تهز أستراليا

أثار استبعاد الكاتبة الفلسطينية الأسترالية راندة عبد الفتاح من المشاركة في أسبوع الكتاب بمهرجان أديلايد لعام 2026 عاصفة من الجدل، وتحول إلى واحدة من أعمق الأزمات الثقافية التي شهدتها أستراليا في السنوات الأخيرة. لم يقتصر الأمر على إلغاء مشاركة فردية، بل امتد ليشمل انهيارًا فعليًا للفعالية نفسها، مع انسحاب مئات الكتاب والشخصيات الثقافية، واستقالة مجلس إدارتها. هذه الأزمة، التي تتجاوز حدود الأدب، تثير تساؤلات جوهرية حول حرية التعبير، والرقابة، والضغط السياسي على المؤسسات الثقافية، والحساسية الثقافية كأداة للإقصاء.

خلفية القضية: من هي راندة عبد الفتاح؟

راندة عبد الفتاح ليست مجرد كاتبة، بل هي أكاديمية وباحثة أسترالية من أصل فلسطيني، متخصصة في دراسات الإعلام والثقافة والسياسة. حاصلة على درجة الدكتوراه في الإعلام والاتصال، وتعمل محاضرة جامعية، وتشتهر بأبحاثها حول قضايا العنصرية والاستعمار والهوية. من أبرز أعمالها الأدبية روايتا “هل يبدو رأسي كبيراً في هذا؟” و “حينما التقى مايكل ومينا”، بالإضافة إلى كتابها البحثي الأخير “الانضباط” الذي صدر عام 2025 وأثار نقاشًا حادًا حول الرقابة المؤسسية.

تُعرف عبد الفتاح بمواقفها العلنية والصريحة في دعم القضية الفلسطينية وانتقاد السياسات الإسرائيلية، مما جعلها شخصية بارزة ومثيرة للجدل في المشهد الثقافي الأسترالي. هذه المواقف، التي تعتبرها هي جزءًا من التزامها الأكاديمي والأدبي، هي التي كانت في صلب قرار استبعادها.

ذريعة “الحساسية الثقافية” والاستبعاد المثير للجدل

في الثامن من يناير/كانون الثاني 2026، أعلن مجلس إدارة مهرجان أديلايد إلغاء مشاركة راندة عبد الفتاح في أسبوع الكتاب، المقرر عقده في نهاية فبراير/شباط ومطلع مارس/آذار. السبب المعلن كان أن مشاركتها “لن تكون مراعية للحساسيات الثقافية”، خاصةً بعد فترة قصيرة من هجوم بوندي في سيدني.

هذا التبرير أثار استياءً واسعًا، لأنه جمع بين سياقين مختلفين: التوقيت الزمني المتعلق بالهجوم، والمواقف السياسية السابقة للكاتبة. العديد من المراقبين رأوا في هذا القرار محاولة للتنصل من المسؤولية، وتبريرًا واهيًا للاستسلام للضغوط.

ضغوط سياسية وتهديدات بالانسحاب

سرعان ما كشفت تقارير إعلامية عن وجود ضغوط من جهات مؤيدة لإسرائيل في المجتمع الأسترالي. فقد ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن إدارة المهرجان تلقت مذكرة من مجلس الجالية اليهودية في جنوب أستراليا، أعرب فيها عن مخاوفه من استمرار دعوة عبد الفتاح للمشاركة، معتبرةً أن ظهورها قد يكون “غير مناسب” في ظل المناخ المجتمعي المتوتر.

على الرغم من أن المذكرة لم تربط بشكل مباشر بين عبد الفتاح وهجوم بوندي، إلا أنها شكلت عاملًا رئيسيًا في قرار الاستبعاد، وهو ما اعتبره الكثيرون رضوخًا للضغط السياسي. هذا الرضوخ أثار غضبًا عارمًا في الأوساط الأدبية والثقافية، وأدى إلى رد فعل غير مسبوق.

موجة الانسحابات وتصاعد الأزمة

لم يمض وقت طويل حتى بدأت موجة الانسحابات من أسبوع الكتاب. خلال أيام قليلة، أعلن أكثر من 180 كاتبًا ومتحدثًا عن انسحابهم، مما وضع مستقبل الفعالية على المحك.

الانسحابات لم تقتصر على الكتاب الأستراليين، بل شملت شخصيات دولية بارزة. فقد أعلنت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أردرن انسحابها، معتبرةً أن القرار يقوض القيم التي يجب أن تحكم الفضاءات الثقافية المفتوحة. كما انسحبت الكاتبة البريطانية زادي سميث، في خطوة اعتبرت مؤشرًا على اتساع نطاق الاحتجاج.

اعتذار المهرجان وتأجيل إعادة الدعوة

تحت وطأة الضغوط المتزايدة، اضطرت إدارة مهرجان أديلايد إلى إصدار اعتذار رسمي لراندة عبد الفتاح، وأعلنت عن تأجيل إعادة دعوة لها للمشاركة في دورة عام 2027. هذا الاعتذار، الذي جاء بعد فوات الأوان، لم يهدئ من غضب المنتقدين، الذين اعتبروه محاولة يائسة لاحتواء الأزمة دون التراجع عن قرار الاستبعاد في دورة 2026.

“الانضباط” والرقابة على الخطاب الفلسطيني

الأزمة لم تكن مجرد خلاف حول مشاركة فردية، بل كانت تتعلق أيضًا بمحتوى الكتاب الذي كانت عبد الفتاح تعتزم التحدث عنه، وهو “الانضباط”. يتناول هذا الكتاب السياسة الأسترالية المعاصرة، وتداعيات الصراعات العالمية على المجتمعات المسلمة والعربية، بما في ذلك غزة.

الخوف من مناقشة قضايا حساسة تتعلق بفلسطين، والاتهامات بالتحيز، ساهمت في تأجيج الأزمة. العديد من المراقبين رأوا في استبعاد عبد الفتاح محاولة للرقابة على الخطاب الفلسطيني، وتكميم الأصوات التي تنتقد السياسات الإسرائيلية. حرية التعبير أصبحت هنا على المحك.

تداعيات الأزمة ومستقبل الثقافة في أستراليا

أزمة استبعاد راندة عبد الفتاح تركت ندوبًا عميقة في المشهد الثقافي الأسترالي. لقد كشفت عن هشاشة المؤسسات الثقافية، وقابليتها للضغط السياسي، والخوف من الخلاف. كما أثارت تساؤلات حول دور الثقافة في المجتمع، وهل يجب أن تكون مساحة آمنة للجميع، أم أنها تخضع لقيود ورقابة؟

هذه الأزمة ستظل محط نقاش وجدل لفترة طويلة، وستدفع إلى إعادة النظر في السياسات والإجراءات التي تتبعها المؤسسات الثقافية في أستراليا. من الضروري حماية الفضاء الثقافي من التدخل السياسي، وضمان حرية التعبير للجميع، بغض النظر عن آرائهم أو خلفياتهم.

إن مستقبل الثقافة في أستراليا يعتمد على قدرتنا على بناء مجتمع أكثر تسامحًا وانفتاحًا، يحترم التنوع ويشجع الحوار البناء.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version