في السنوات الأخيرة، شهدنا تحولاً ملحوظاً في عالم الرواية، حيث لم تعد مجرد بناء تخييلي يقدر بجمالياته ومهارة الكاتب في السرد، بل أصبحت أقرب إلى ملف تحقيق، يخضع للتدقيق والمساءلة حول الوقائع التي كشفها، والأسرار التي فضحها، والأشخاص الحقيقيين الذين أشار إليهم الكاتب بين سطورها. هذا التحول أثار جدلاً واسعاً حول العلاقة بين الأدب والخصوصية، وبين الخيال وادعاء الحقيقة، وفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود الإبداع ومسؤولية الكاتب.
صعود “التخييل الذاتي” وتراجع الخيال الخالص
لم يعد القارئ يبحث في الرواية عن الهروب إلى عوالم موازية، بل عن انعكاسات لحياته، عن قصص “تقريبًا حقيقية” كما تسوقها دور النشر. هذا التوجه لم يقتصر على تحول الروايات إلى سير ذاتية، بل يعكس أيضاً نوعاً من الجفاف الذي أصاب أرض الخيال، فباتت الوقائع، حتى تلك الغريبة والمفارقة، أكثر جاذبية للكتاب من اختلاق عوالم جديدة.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل هو تغيير في المنظومة الأدبية بأكملها. فبدلاً من الحكم على الرواية بناءً على قيمتها الفنية، أصبح التركيز على مدى تطابقها مع الواقع، وعلى “صدقها” في نقل الأحداث والشخصيات.
حساسية “الواقعية” في السياق العربي
تحمل هذه الظاهرة حساسية خاصة في المجتمعات العربية، حيث يُنظر إلى التخييل الذاتي أحياناً على أنه مجرد حيلة للتهرب من المسؤولية الاجتماعية. فالكتابة بضمير المتكلم تُقرأ كتجربة شخصية مباشرة، مما يجعل الكاتب عرضة للمحاسبة الاجتماعية الصارمة.
رواية “بنات الرياض” لرجاء الصانع عام 2005، خير مثال على ذلك. فقد أثارت الرواية جدلاً واسعاً حول “كشف المستور” وإمكانية التعرف على النماذج التي قدمتها الكاتبة في الواقع. لم يكن الجدل حول الجودة الأدبية للعمل، بل حول أخلاقيات الكتابة عن المجتمع وقضاياه الحساسة.
حدود السرد الاجتماعي والخصوصية
نجحت “بنات الرياض” في فتح نقاش غير مسبوق حول حدود السرد الاجتماعي والخصوصية في مجتمع محافظ. السؤال الذي طرحه النقاد والجمهور هو: هل يحق للكاتب أن يكشف عن جوانب خفية من حياة الآخرين، حتى لو كانت تلك الجوانب حقيقية؟ وهل يمكن تبرير ذلك بحرية الإبداع؟
هذا السؤال يظل قائماً حتى اليوم، مع استمرار ظهور روايات تعتمد على “الواقع” كمادة خام، وتثير الجدل حول حدود الخصوصية وحقوق الأفراد.
قضايا “التخييل الذاتي” في الغرب: من “كفاحي” إلى “المروّجة”
لم تقتصر هذه الظاهرة على الأدب العربي، بل امتدت إلى الأدب الغربي أيضاً، حيث شهدنا قضايا مماثلة أثارت جدلاً قانونياً وأخلاقياً.
سلسلة “كفاحي” (My Struggle) للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد، أحدثت ضجة عالمية، حيث كشفت عن تفاصيل حميمة من حياة الكاتب وعائلته. اضطر الكاتب إلى تغيير بعض الأسماء في الأجزاء اللاحقة من السلسلة، بعد تهديدات بتدابير قانونية من أفراد عائلته.
أما في فرنسا، فقد واجهت الكاتبة كريستين أنغو حكماً قضائياً في قضية انتهاك الخصوصية على خلفية روايتها “الصغار”. ورأت المحكمة أن الرواية تسببت في ضرر فعلي لأفراد الأسرة الذين تم التعرف عليهم من خلالها.
وفي يناير 2024، أحيلت المؤرخة والكاتبة الفرنسية سيسيل ديبري إلى المحكمة مع بعض أقاربها على خلفية روايتها “المروّجة”، التي تتهم أفراداً من عائلتها بالتعاون مع النازيين. هذه القضية تؤكد على أن حرية التعبير ليست مطلقة، وأنها تخضع لقيود لحماية حقوق الأفراد وكرامتهم.
هل مات الخيال؟ مستقبل الرواية بين الواقع والوهم
مع صعود الرواية الواقعية و”التخييل الذاتي”، يطرح السؤال نفسه: هل مات الخيال؟ يرى البعض أن هيمنة السيرة الذاتية تقلص أفق الرواية، وتحولها إلى مجرد شهادة شخصية. بينما يرى آخرون أن الخيال لم يمت، بل أعاد تعريف نفسه داخل الواقع، وأن تفكيك الذاكرة وبناء “حقيقة مركبة” هو شكل جديد من أشكال الإبداع.
لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بشرعية الكتابة عن الذات، بل بتحولها إلى الشكل المهيمن، وإزاحة الرواية المتخيلة الخالصة إلى الهامش. حين يضيق هامش الخيال، يظهر القانون، كما رأينا في القضايا الفرنسية.
في المجتمعات العربية، قد لا تصل النزاعات إلى المحاكم، لكنها تتحول إلى أذى اجتماعي، ووصم، وحملات ضغط. وهذا يجعل السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: هل يكفي تغيير الاسم؟ وهل تسقط نية الفن مسؤولية الكاتب؟
نحو توازن بين الواقع والخيال
في زمن التسريبات والفضائح، يبدو الواقع نفسه أكثر تشويقاً من أي حبكة خيالية. لكن الرواية، إذا استسلمت لهذا الإغراء، تخاطر بفقدان وظيفتها الأعمق: خلق مسافة تسمح بفهم العالم، لا مجرد تكراره.
مستقبل الرواية لا يكمن في الاعتراف ولا في رفضه، بل في استعادة توازن دقيق. يجب أن يظل الواقع مادة ممكنة للإبداع، لكن الخيال يجب أن يبقى قادراً على قول حقيقة لا تحتاج أن تكون قد حدثت لتكون صادقة. يجب أن نتذكر أن الرواية ليست مجرد محكمة اعتراف، بل هي مساحة للحرية والتأمل والتفكير النقدي.
الكلمات المفتاحية: الرواية، التخييل الذاتي، الأدب العربي، الخصوصية، حرية التعبير، الواقعية في الأدب.


