ألمانيا تواجه ضغوطًا متزايدة لاستعادة احتياطياتها الذهبية من الولايات المتحدة، في ظل تزايد المخاوف بشأن الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي، وتحديدًا مع احتمالية عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى السلطة. هذه القضية، التي تتجاوز قيمتها 164 مليار يورو (حوالي 192.8 مليار دولار أمريكي) مودعة في خزائن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، أصبحت محور جدل سياسي واقتصادي حاد في ألمانيا.

مخاوف متزايدة من مستقبل الذهب الألماني في أمريكا

تعتبر ألمانيا ثاني أكبر حائز لاحتياطيات الذهب على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الاحتياطيات، والبالغ 1236 طنًا، مُخزَّن في الولايات المتحدة. هذه الحقيقة، التي كانت تعتبر في السابق إجراءً عمليًا لتنويع المخاطر، أصبحت الآن مصدر قلق متزايد للعديد من الخبراء والسياسيين الألمان.

السبب الرئيسي وراء هذه المخاوف هو التغيرات في العلاقات عبر الأطلسي، وعدم اليقين الذي يحيط بسياسات الرئيس السابق دونالد ترامب. فخلال فترة رئاسته الأولى، أظهر ترامب ميلًا إلى تبني سياسات حمائية وتقلبات غير متوقعة، مما أثار تساؤلات حول موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي.

دعوات لاستعادة الذهب تتصاعد

الدعوات لاستعادة الاحتياطيات الذهبية الألمانية من الولايات المتحدة لم تعد مقتصرة على أوساط اليمين المتطرف، بل بدأت تكتسب زخمًا في الأوساط السياسية والاقتصادية الرئيسية. إيمانويل مونش، وهو اقتصادي بارز ورئيس سابق لقسم الأبحاث في البنك المركزي الألماني (البوندسبنك)، دعا صراحةً إلى إعادة الذهب إلى ألمانيا، معتبرًا أن الاحتفاظ به في الولايات المتحدة في ظل الإدارة الأمريكية الحالية ينطوي على “مخاطر جمّة”.

وبالمثل، أيد مايكل جيجر، رئيس اتحاد دافعي الضرائب الأوروبيين، هذا التوجه، محذرًا من تقلبات ترامب ورغبته في توليد الإيرادات بأي وسيلة، مما قد يهدد قدرة ألمانيا على الوصول إلى أصولها في المستقبل. هذه التحذيرات تعكس قلقًا عميقًا بشأن إمكانية قيام إدارة أمريكية مستقبلية باتخاذ إجراءات أحادية الجانب تؤثر على الأصول الألمانية في الخارج.

حزب الخضر يطالب بحماية الذهب

تجاوز الجدل أوساط الخبراء ليطرق أبواب السياسة. كاثارينا بيك، المتحدثة المالية باسم حزب الخضر المعارض، طالبت بضرورة حماية الذهب قبل أن يصبح رهينة للنزاعات الدولية. هذا الموقف يعكس رؤية الحزب التي تركز على الاستقلالية المالية والحد من الاعتماد على القوى الخارجية.

معارضة حذرة لعملية الاستعادة

على الرغم من تزايد الضغوط، هناك أيضًا أصوات تحذر من الإقدام على خطوة استعادة الذهب الألماني. كليمنس فويست، رئيس معهد “إيفو”، حذر من أن مثل هذه الخطوة قد “تصب الزيت على نار الوضع الراهن”، مما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.

ويرى البعض أن استعادة الذهب قد تبعث برسالة سلبية إلى الأسواق المالية، مما قد يؤثر على ثقة المستثمرين في الاقتصاد الألماني. بالإضافة إلى ذلك، هناك تحديات لوجستية وقانونية تتعلق بنقل كميات كبيرة من الذهب عبر الحدود.

توزيع الاحتياطيات الذهبية الألمانية

توزع ألمانيا احتياطياتها من الذهب البالغة قيمتها 450 مليار يورو (نحو 532 مليار دولار) بين ثلاثة مواقع رئيسية: فرانكفورت (حيث يتم تخزين أكثر من النصف)، ونيويورك (37%)، ولندن (12%). هذا التوزيع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الأمن والسيولة، ولكن مع تزايد المخاوف بشأن الولايات المتحدة، يرى البعض أن إعادة توزيع هذه الاحتياطيات قد يكون ضروريًا.

موقف الحكومة والبنك الاتحادي

حتى الآن، تصر حكومة المستشار فريدريش ميرتس والبنك الاتحادي (البوندسبنك) على أن الذهب الألماني في أمان في الولايات المتحدة. يواكيم ناغل، رئيس البنك الاتحادي، أكد عدم وجود ما يدعو إلى القلق. ومع ذلك، بدأت أصوات داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الحزب الحاكم، في التشكيك في موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي في ظل الإدارة الحالية.

هل ستغير ألمانيا استراتيجيتها؟

في الختام، فإن مستقبل الاحتياطيات الذهبية الألمانية في الولايات المتحدة يظل غير مؤكد. الضغوط المتزايدة من الخبراء والسياسيين، بالإضافة إلى المخاوف بشأن الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي، قد تدفع ألمانيا إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الحالية. من المرجح أن يشهد هذا الملف تطورات مهمة في الأشهر والسنوات القادمة، خاصةً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2024. سيكون من الضروري متابعة هذه التطورات عن كثب، وتقييم المخاطر والفرص المرتبطة بها، لضمان حماية الأصول الألمانية وتحقيق الاستقرار المالي للبلاد.

هل تعتقد أن ألمانيا ستستعيد ذهبها؟ شارك برأيك في التعليقات!

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version