تنفست الأسواق العالمية الصعداء بعد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول الأوروبية، منهياً بذلك تصعيداً تجارياً حاداً كان يهدد العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي. هذا التطور، الذي يأتي في أعقاب توترات مرتبطة بملف جزيرة غرينلاند، يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات كبيرة تتطلب ردود فعل استراتيجية. يركز هذا المقال على تحليل أبعاد هذا التراجع، والتهديدات التجارية المتبادلة، وأوراق الضغط التي يمتلكها كل من الجانبين، مع التركيز على الحرب التجارية المحتملة وتداعياتها.
تراجع ترمب وتأثيره على الأسواق
جاء قرار الرئيس ترمب بالتراجع عن الرسوم الجمركية الإضافية بعد فترة من عدم اليقين أثرت سلبًا على ثقة المستثمرين في الأسواق الأوروبية والعالمية. التهديد بفرض رسوم تتراوح بين 10% و 25% على الواردات الأوروبية كان يُنظر إليه على أنه تصعيد جديد في الحرب التجارية القائمة، والتي بدأت بالفعل العام الماضي بفرض رسوم على بعض المنتجات. هذا التراجع، وإن كان مؤقتًا، أدى إلى انتعاش محدود في الأسواق، لكن المخاوف لا تزال قائمة بشأن مستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وأوروبا
تعتبر العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الأكبر على مستوى العالم، حيث بلغ حجم التبادل التجاري في عام 2024 حوالي تريليوني دولار. الاتحاد الأوروبي يصدر إلى الولايات المتحدة ما يقارب 624 مليار دولار، ويستورد منها حوالي 400 مليار دولار، مما يخلق فائضًا تجاريًا أوروبيًا يقدر بنحو 224 مليار دولار. هذا الفائض التجاري غالبًا ما يُستخدم كذريعة من قبل الإدارة الأمريكية للضغط على الأوروبيين واتهامهم بالممارسات التجارية غير العادلة.
القطاعات الرئيسية في التبادل التجاري
تشمل الصادرات الأوروبية الرئيسية إلى الولايات المتحدة المنتجات الصيدلانية والطبية، والسيارات وقطع غيارها، والآلات والمعدات الصناعية. هذه القطاعات تمثل ركائز أساسية للاقتصاد الأوروبي وتوفر فرص عمل لملايين الأشخاص. في المقابل، تستورد أوروبا من الولايات المتحدة منتجات البترول ومشتقاته، وآلات توليد الطاقة، وقطع غيار الطائرات، وهي سلع استراتيجية ضرورية لقطاعات الطاقة والنقل والصناعة الأوروبية.
أوراق الضغط الأوروبية في مواجهة التهديدات
على الرغم من الضغوط الأمريكية، يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات قوية للرد على أي تصعيد تجاري. من أبرز هذه الأدوات قانون مكافحة الإكراه الاقتصادي الذي أقره الاتحاد الأوروبي في عام 2023، والذي يسمح لبروكسل باتخاذ إجراءات مضادة ضد أي دولة تستخدم التجارة أو الرسوم الجمركية كوسيلة للضغط السياسي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي اللجوء إلى فرض رسوم جمركية مقابلة أو فرض قيود تنظيمية على الشركات الأمريكية العاملة في السوق الأوروبية.
السلاح المالي الأوروبي: قوة كامنة
تمتلك دول الاتحاد الأوروبي كميات كبيرة من السندات الحكومية الأمريكية، تقدر قيمتها بحوالي 3.6 تريليونات دولار. هذا يمنحها نفوذاً كبيراً في الأسواق المالية الأمريكية، حيث يمكنها بيع هذه السندات والتأثير على قيمة الدولار وأسعار الفائدة. ومع ذلك، استخدام هذا “السلاح المالي” سيكون له تداعيات كبيرة، بما في ذلك ابتعاد أوروبا عن أسواق وول ستريت والبحث عن ملاذات آمنة أخرى مثل الذهب، وتعزيز الشراكات المالية مع دول أخرى. هذا السيناريو قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في النظام المالي العالمي. التحركات المالية المحتملة هي جزء مهم من أي تحليل لـ التوترات التجارية.
مستقبل العلاقات التجارية عبر الأطلسي
على الرغم من تراجع ترمب عن تهديداته الأخيرة، إلا أن جذور الخلاف بين واشنطن وبروكسل لا تزال قائمة. غياب حلول دائمة لمعالجة الاختلالات في العلاقة التجارية بين الطرفين يجعل الوضع هشًا وعرضة للتصعيد في أي وقت. من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار الحذر والترقب، في انتظار ما إذا كانت هذه التهدئة تمثل بداية لإعادة ضبط العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، أم مجرد فترة راحة قصيرة قبل جولة جديدة من التصعيد التجاري. التركيز على السياسة التجارية و العلاقات الدولية سيكون حاسماً في فهم التطورات القادمة.
الخلاصة
إن التراجع الأخير للرئيس ترمب عن فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات الأوروبية يمثل فرصة سانحة لتهدئة التوترات التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن هذه التهدئة لا تعني نهاية الخلافات، بل هي مجرد استراحة مؤقتة. يتطلب الأمر جهودًا دبلوماسية مكثفة وإيجاد حلول جذرية لمعالجة الاختلالات التجارية القائمة، وذلك لضمان استقرار العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي وتجنب الحرب التجارية الشاملة. من الضروري متابعة التطورات عن كثب وتحليل أبعادها المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار الأوراق التي يمتلكها كل من الجانبين، والتداعيات المحتملة لأي تصعيد جديد.


