تُعدّ الحرب الدائرة في السودان كارثة إنسانية بكل المقاييس، وتتجاوز آثارها المباشرة الخسائر في الأرواح والنزوح القسري لتطال مستقبل البلاد بأكمله. فمن بين أخطر تداعيات هذا الصراع المستمر، يبرز تعطيل التعليم في السودان كتهديد وجودي للأجيال القادمة. فقد حذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” مؤخرًا من أن أكثر من 8 ملايين طفل سوداني محرومون من حقهم في التعليم، في ظل ما وصفته بأطول إغلاق للمدارس في العالم. هذا الوضع المأساوي يستدعي وقفة جادة وتدخلًا عاجلًا لإنقاذ مستقبل هؤلاء الأطفال.

أزمة التعليم السودانية: أرقام مُقلقة وتداعيات وخيمة

أفادت منظمة “أنقذوا الأطفال” بأن ما يقارب نصف الأطفال في سن التعليم في السودان، أي حوالي 8 ملايين طفل، أمضوا 484 يومًا متواصلًا بعيدًا عن مقاعد الدراسة. هذه المدة تتجاوز بكثير فترات الإغلاق التي شهدها العالم خلال جائحة كوفيد-19، مما يجعل السودان في صدارة الدول التي تعاني من أزمات تعليمية حادة.

هذا الانقطاع الطويل في التعليم له عواقب وخيمة على التنمية الاجتماعية والاقتصادية في السودان. فغياب التعليم يؤدي إلى تفاقم الفقر، وزيادة معدلات الجريمة، وتأخر بناء القدرات الوطنية اللازمة لإعادة إعمار البلاد. بالإضافة إلى ذلك، يُعرض الأطفال لخطر الاستغلال والتجنيد القسري في صفوف الجماعات المسلحة، وهو ما يهدد مستقبلهم ويُعمّق دائة العنف.

المناطق الأكثر تضررًا من توقف الدراسة

تتركز أغلب آثار أزمة التعليم في السودان في المناطق التي تشهد اشتباكات عنيفة، وعلى رأسها إقليم دارفور. ففي ولاية شمال دارفور، لا تعمل سوى 3% من أكثر من 1100 مدرسة. ويعود ذلك إلى سيطرة قوات الدعم السريع على معظم أجزاء الإقليم، وتدمير البنية التحتية التعليمية، وتحويل المدارس إلى ملاجئ للنازحين.

سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة الولاية، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، زادت من تعقيد الوضع الأمني والإنساني في دارفور، وعززت قبضتها على الإقليم بأكمله.

ومع اتساع نطاق القتال ليشمل إقليم كردفان المجاور، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل التعليم في هذه المنطقة. ففي ولاية غرب كردفان، لا تتجاوز نسبة المدارس العاملة حاليًا 15%، مما يعكس حجم الانهيار الذي يشهده القطاع التعليمي.

تأثير الحرب على المعلمين والكادر التعليمي

لا يقتصر تأثير الحرب على الطلاب فحسب، بل يمتد ليشمل المعلمين والكادر التعليمي. فقد اضطر عدد كبير من المعلمين إلى ترك وظائفهم بسبب تعليق صرف الرواتب، مما فاقم من انهيار العملية التعليمية في البلاد. هذا النزيف في الكفاءات التعليمية يهدد بجعل الأزمة أكثر عمقًا وصعوبة في الحل. كما أن المخاوف الأمنية تجبر العديد من المعلمين على عدم الذهاب إلى المدارس، حتى في المناطق التي لم تشهد اشتباكات مباشرة.

تحذيرات دولية ومخاوف بشأن مستقبل جيل كامل

أعربت رئيسة منظمة “أنقذوا الأطفال”، إنجر آشينغ، عن قلقها البالغ بشأن مستقبل التعليم في السودان، محذرة من أن الفشل في الاستثمار في التعليم سيؤدي إلى “ترك جيل كامل أسير مستقبل تحكمه الصراعات لا الفرص”. هذا التحذير يعكس إدراك المنظمة لأهمية التعليم في بناء السلام والاستقرار في السودان.

بالإضافة إلى ذلك، دان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، تصاعد الهجمات المتكررة على البنية التحتية المدنية الأساسية، بما في ذلك المدارس، معربًا عن قلقه من “عسكرة المجتمع” وتزايد تجنيد الأطفال في النزاع. هذه الهجمات لا تُعرقل التعليم فحسب، بل تُشكل أيضًا انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

الحاجة إلى تدخل عاجل ودعم مستدام للتعليم

إن تعطيل التعليم في السودان يمثل تحديًا هائلاً يتطلب تدخلًا عاجلاً وشاملًا من جميع الأطراف المعنية. يجب على الحكومة السودانية، وقوات الدعم السريع، والمجتمع الدولي، العمل معًا لإيجاد حل سلمي للصراع، وضمان حماية المدارس والمعلمين والطلاب.

بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة ماسة إلى توفير الدعم المالي والتقني للقطاع التعليمي، لإعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتوفير الأدوات والموارد التعليمية اللازمة، ودعم المعلمين والكادر التعليمي. كما يجب إعطاء الأولوية للتعليم في خطط الاستجابة الإنسانية، لضمان حصول جميع الأطفال على فرص متساوية في التعليم.

إن مستقبل السودان يعتمد على مستقبل أطفاله. فالاستثمار في التعليم ليس مجرد واجب إنساني، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء دولة قوية ومستقرة ومزدهرة. يجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته تجاه التعليم في السودان، وأن يقدم الدعم اللازم لإنقاذ جيل كامل من الضياع. أزمة التعليم السودانية تتطلب تضافر الجهود لضمان حق كل طفل في التعلم والنمو.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version