مع اقتراب موعد النسخة الثالثة من مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة السودانية، تتصاعد الخلافات حول آليات الدعوة والمشاركة، مما يهدد بتقويض الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حل للأزمة الإنسانية والسياسية المتفاقمة في السودان. أعلنت قوى سياسية موالية للحكومة السودانية مقاطعتها المؤتمر، معتبرةً أن الدعوات لم تكن متوازنة، بينما تستعد قوى أخرى للمشاركة وسط تباين في الرؤى حول مستقبل السودان.

مؤتمر برلين للأزمة السودانية: مقاطعة وخلافات حول التمثيل

أعلنت عدة قوى سياسية سودانية موالية للحكومة مقاطعتها لمؤتمر برلين المقرر عقده في منتصف أبريل/نيسان المقبل، والذي يهدف إلى دعم السودان على الصعيدين الإنساني والسياسي. تأتي هذه المقاطعة احتجاجًا على ما وصفته هذه القوى بـ “عدم توازن” في الدعوات للمؤتمر، حيث ترى أن بعض الكتل السياسية، وعلى رأسها التحالف المدني الديمقراطي “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، تحظى بتمثيل مبالغ فيه، بينما تم استبعاد قوى وشخصيات مؤثرة من مختلف مكونات المجتمع السوداني.

دوافع المقاطعة: تمثيل غير متوازن وهيمنة سياسية

رئيس تنسيقية القوى الوطنية، محمد سيد أحمد الجاكومي، أوضح أن قرار المقاطعة جاء بعد إبلاغ الآلية الأفريقية المعنية بملاحظاتهم حول اختلال موازين الدعوات. وأشار إلى أنهم طالبوا بتصحيح التمثيل غير المتوازن وهيمنة قوى محددة على المشاركة، معتبرين أن ذلك سيضعف فرص التوصل إلى اتفاق سياسي خلال المؤتمر. ويرى الجاكومي أن هذا التمثيل غير العادل يعكس أجندة خارجية تسعى إلى فرض رؤية معينة على السودانيين.

جهود الاتحاد الأفريقي والآلية الخماسية

في محاولة لتهيئة الأجواء للمؤتمر، وجه الاتحاد الأفريقي دعوة إلى كتل وقوى سياسية سودانية، وممثلي المجتمع المدني، وشخصيات بارزة، للمشاركة في ملتقى تحضيري يعقد في أديس أبابا في العاشر من أبريل/نيسان. يهدف هذا الملتقى إلى الاتفاق على ترتيبات للقاء سوداني على هامش مؤتمر برلين، بهدف مناقشة مبادئ عامة لحل الأزمة في السودان.

دور الآلية الخماسية في التحضير للمؤتمر

يُشرف على الملتقى التحضيري الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد). وتسعى الآلية الخماسية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، ودعم الحوار السوداني بهدف التوصل إلى اتفاق على خطوات ما بعد الحرب. ومع ذلك، تواجه الآلية انتقادات من بعض القوى السودانية التي تتهمها بالتدخل في تحديد مسار المؤتمر واختيار المشاركين.

مواقف القوى السياسية السودانية المتباينة

تتباين مواقف القوى السياسية السودانية تجاه مؤتمر برلين. فبينما أعلن تحالف “صمود” عن ترحيبه بالدعوة وأكد مشاركته، أعلنت مركزية تجمع المهنيين الوطنيين مقاطعتها للمؤتمر، منتقدة ما وصفته بـ “انحراف الآلية الخماسية عن دورها كوسيط محايد”. كما أعلن تجمع السودانيين بالخارج (صدى) رفضه لأي ترتيبات دولية تتجاوز السيادة الوطنية للسودان.

الكتلة الديمقراطية وموقفها من المشاركة

من جانبه، أعلن مسؤول في تحالف الكتلة الديمقراطية المساند للحكومة أنهم تلقوا دعوة للمشاركة في المؤتمر بأربعة أعضاء، وأنهم يناقشون الدعوة مع مبعوث الأمم المتحدة للسودان، بيكا فيستو. وأكد المسؤول أنهم سيحددون موقفهم من المشاركة خلال أيام، مشيرًا إلى أنهم استعرضوا مع المبعوث الأممي رؤيتهم للحل، والدور الذي يمكن أن تضطلع به الأمم المتحدة في دعم جهود الاستقرار. ويرى قادة الكتلة الديمقراطية أن الحل الحقيقي يظل بيد السودانيين أنفسهم.

تحديات تحقيق الاستقرار في السودان

تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب في السودان وتدهور الأوضاع الإنسانية. فقد أدت الحرب إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يواجه الملايين من السودانيين الجوع والنزوح والمرض. كما أن المؤتمرات السابقة، التي عُقدت في باريس ولندن، لم تحقق نتائج ملموسة على صعيد دعم السودانيين المتضررين أو التوصل إلى اتفاق سياسي شامل. فالتعهدات المالية التي تم تقديمها لم تتجاوز 25% من المبلغ المعلن، كما أخفق المؤتمران في الخروج ببيان مشترك من القوى السودانية المشاركة.

مستقبل المفاوضات السودانية

مع استمرار الخلافات حول آليات المشاركة في مؤتمر برلين، يظل مستقبل المفاوضات السودانية غامضًا. يتطلب تحقيق الاستقرار في السودان حوارًا سودانيًا – سودانيًا شاملًا، يضم جميع القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، ويستند إلى مبادئ العدالة والمساواة. كما يتطلب ذلك التزامًا دوليًا حقيقيًا بدعم السودانيين المتضررين من الحرب، وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة، والضغط على الأطراف المتنازعة لوقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات. إن نجاح مؤتمر برلين يعتمد على قدرة الأطراف السودانية والدولية على تجاوز الخلافات، والتركيز على إيجاد حلول مستدامة للأزمة السودانية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version