خلافًا لكل التوقعات التي راهنت على مرور الوقت وتبلد المشاعر مع استمرار الحروب، يواصل الحراك الشعبي في أوروبا زخمًا ملحوظًا. هذا المقال يتناول استمرار الاحتجاجات الأوروبية وتطور دوافعها من التعاطف العاطفي إلى المطالبة السياسية، مع التركيز على الدنمارك وإسبانيا، وكيف تحولت هذه الاحتجاجات إلى محاولة لمساءلة الحكومات عن دورها في الأحداث الجارية.
تطور دوافع الاحتجاجات الأوروبية: من التعاطف إلى المساءلة السياسية
في البداية، كانت الاحتجاجات الأوروبية مدفوعة بالتعاطف الإنساني مع الضحايا. لكن مع مرور الوقت، تحول التركيز إلى مساءلة الحكومات عن دورها في استمرار الصراع، خاصةً فيما يتعلق بالتواطؤ العسكري والتجاري. مراسلو الجزيرة في مدريد وكوبنهاغن رصدوا هذا التحول الجذري، مؤكدين أن المتظاهرين لم يعودوا يكتفون بالتعبير عن حزنهم، بل يسعون إلى تغيير السياسات الحكومية.
الدنمارك: “تطهير الضمير” ورفض الشراكة في الجريمة
في الدنمارك، يرى مراسل الجزيرة محمد المدهون أن الزخم الذي شهدته الأيام الأولى للحرب لا يزال حاضرًا بقوة. المحرك الأساسي للاستمرار الآن هو ما يسميه “تطهير الضمير”. هناك انخراط واسع للمواطنين الدنماركيين الذين يرفضون أن تظل حكومتهم شريكة في ما يعتبرونه جريمة من خلال تصدير قطع غيار الطائرات المقاتلة “إف-35” (F-35) المستخدمة في قصف الفلسطينيين.
المحتجون لا يكتفون بالتضامن، بل يعلنون براءتهم من “النفاق السياسي” لحكومة تدعي دعم حقوق الإنسان بينما تدعم في الوقت ذاته ما يعتبرونه “إبادة جماعية” وفصلًا عنصريًا. هؤلاء المتظاهرون يؤكدون أن الاحتجاجات الأوروبية لن تتوقف ما لم يتوقف القتل.
إسبانيا: “خديعة السلاح” والمطالبة بقطع العلاقات
في مدريد، الوضع لا يقل حدة. الشارع الإسباني يغلي بسبب اكتشاف “اتفاقيات تجارية وعسكرية” سرية وعلنية مع إسرائيل، على الرغم من الوعود بحظر السلاح. مراسل الجزيرة أيمن الزبير يؤكد أن المتظاهرين أصبحوا أكثر وعيًا وتحديدًا في مطالبهم، حيث يلاحقون حكومتهم في البرلمان عبر الأحزاب اليسارية، ويطالبون بقطع العلاقات الدبلوماسية فورًا.
الاستمرار في الاحتجاج ليس مجرد شعار، بل هو ملاحقة ميدانية لكل صفقة سلاح أو معدات عسكرية، تحت شعار واحد يتردد في عشرات المدن الإسبانية: “الإبادة مستمرة.. إذن الضغط لن يتوقف”. هذا يعكس تحولًا في طبيعة الحراك الشعبي من مجرد تعبير عن الرأي إلى محاولة فعلية لعرقلة السياسات الحكومية.
لماذا لا يغادرون الميادين؟ تحول في الوعي الأوروبي
تقارير المدهون والزبير تجيب على سؤال الاستمرارية: المتظاهر الأوروبي بات يرى في “صمته” مشاركة فعلية في الجريمة. الشارع الأوروبي انتقل من مرحلة “الحزن على الضحية” إلى مرحلة “محاصرة الشريك”، وهو ما يفسر استمرار التظاهرات رغم مرور عامين. الحراك الشعبي لم يعد مجرد رد فعل عاطفي، بل أصبح تعبيرًا عن مسؤولية أخلاقية وسياسية.
تضامن أوروبي واسع النطاق وتصعيد المطالب
شهدت عواصم أوروبية أخرى، مثل السويد وهولندا وفنلندا، خروج مسيرات ومظاهرات واسعة إحياء لليوم العالمي للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين. عبر المشاركون عن دعمهم لقطاع غزة وتنديدهم بفشل حكوماتهم والمؤسسات الأوروبية في وقف الحرب ومحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها.
انتهاكات وقف إطلاق النار وتصعيد الأزمة
مكتب الإعلام الحكومي بغزة أصدر بيانًا أكد فيه استمرار الاحتلال الإسرائيلي في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، مسجلاً 1450 انتهاكًا أدت إلى استشهاد 524 مواطنًا وإصابة 1360 آخرين منذ 10 أكتوبر 2025. هذا التصعيد في الانتهاكات يغذي الغضب الشعبي ويدفع إلى المزيد من الاحتجاجات الأوروبية والمطالبة بتحرك دولي جاد.
الخلاصة: استمرار الحراك الشعبي وتأثيره المتزايد
إن استمرار الاحتجاجات الأوروبية، وتطور دوافعها من التعاطف إلى المساءلة السياسية، يشير إلى تحول عميق في الوعي الأوروبي. لم يعد المواطن الأوروبي يرى نفسه مجرد متفرج، بل أصبح مشاركًا فعالًا في محاولة تغيير السياسات الحكومية ووقف ما يعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان. هذا الحراك الشعبي يمثل ضغطًا متزايدًا على الحكومات الأوروبية، وقد يؤدي إلى تغييرات حقيقية في مواقفها وسياساتها. من المهم متابعة تطورات هذا الحراك الشعبي وتأثيره على المشهد السياسي الأوروبي والدولي. شارك هذا المقال مع أصدقائك لزيادة الوعي حول هذا الموضوع الهام.


