شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً غير مسبوق في الآونة الأخيرة، مما أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع. أوضح المستشار الاقتصادي محمد العنقري أن عدة عوامل ساهمت في هذا التصاعد، بما في ذلك الأوضاع الجيوسياسية المضطربة والتضخم العالمي المستمر. يعتبر الذهب ملاذاً آمناً للاستثمار في أوقات الأزمات، ويزداد الطلب عليه كتحوط ضد تقلبات الأسواق المالية.
جاءت تصريحات العنقري خلال مداخلة له على إذاعة “العربية إف إم”، حيث أكد أن هذا الارتفاع يعكس مخاوف المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي. وقد أشار إلى أن ما يقرب من 45% من الذهب المنتج عالمياً يذهب لصناعة المجوهرات، مما يزيد من الطلب عليه كسلعة استهلاكية بالإضافة إلى كونه أداة استثمارية.
أسباب ارتفاع أسعار الذهب
يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار الذهب في عدة نقاط. أولاً، التوترات الجيوسياسية المتزايدة في مناطق مختلفة من العالم، والتي تدفع المستثمرين إلى البحث عن أصول آمنة لحماية ثرواتهم. وتشمل هذه التوترات الصراعات الإقليمية وعدم الاستقرار السياسي والعقوبات الاقتصادية.
دور التضخم العالمي
ثانياً، يلعب التضخم العالمي دوراً حاسماً في ارتفاع أسعار الذهب. فمع ارتفاع معدلات التضخم، تفقد العملات الورقية قوتها الشرائية، مما يجعل الذهب خياراً جذاباً للحفاظ على القيمة. وقد ساهمت جائحة كوفيد-19 في تفاقم مشكلة التضخم بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد والتدابير التحفيزية التي اتخذتها الحكومات.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم انخفاض أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في زيادة جاذبية الذهب. عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة، يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل تكلفة مقارنة بالأصول الأخرى، مما يزيد من الطلب عليه.
تأثير البنوك المركزية
أشار العنقري إلى أن البنوك المركزية حول العالم تتجه بشكل متزايد إلى شراء الذهب كجزء من احتياطياتها النقدية. ويعود ذلك إلى مخاوفها بشأن استقرار الدولار الأمريكي، العملة الاحتياطية العالمية، وإمكانية فقدانه لجزء من هيمنته. يعتبر الذهب أصلًا ذا قيمة ثابتة نسبيًا ويمكن نقله بسهولة عبر الحدود.
ولم يقتصر تأثير الجيوسياسية والتضخم على الذهب فقط، بل امتد ليشمل المعادن النفيسة الأخرى مثل الفضة والبلاتين، ولكن الذهب يظل الأكثر تفضيلاً كملاذ آمن بسبب سيولته العالية وثقة المستثمرين به.
تجدر الإشارة إلى أن الطلب على الذهب يختلف بين الدول والمناطق. ففي بعض الدول، يعتبر الذهب جزءًا أساسيًا من الثقافة والتراث، بينما في دول أخرى، يتم استخدامه بشكل رئيسي كأداة استثمارية.
يرتبط سعر الذهب ارتباطًا وثيقًا بالعديد من المؤشرات الاقتصادية، بما في ذلك أسعار الفائدة والتضخم وأداء الدولار الأمريكي والظروف الجيوسياسية. تتفاعل الأسواق المالية مع هذه المؤشرات بسرعة، مما يؤدي إلى تقلبات في أسعار الذهب.
وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، لا يزال الذهب يحظى بشعبية كبيرة بين المستثمرين الأفراد والمؤسسات. فالعديد من الأشخاص يعتبرونه وسيلة للحماية من المخاطر الاقتصادية والسياسية، بينما تستخدمه الشركات كأداة لإدارة المخاطر.
من المرجح أن يستمر سعر الذهب في التقلب في المستقبل القريب، حيث يتأثر بالعديد من العوامل المتغيرة. من بين العوامل التي يجب مراقبتها بشكل خاص هي تطورات الأوضاع الجيوسياسية، ومعدلات التضخم، وقرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة. تحركات سعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لها تأثير كبير على أسعار الذهب.
من المتوقع أن يصدر البنك المركزي الأوروبي قراره بشأن أسعار الفائدة في اجتماع يعقد في الأسبوع المقبل، وسيكون هذا القرار محل اهتمام كبير من قبل المستثمرين في سوق الذهب. كما يجب متابعة التطورات المتعلقة بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي قد تؤثر على معنويات المستثمرين والطلب على الذهب. ويرجع جزء من الطلب على الذهب إلى زيادة الاستثمارات في الأصول البديلة.


