في تطورات خطيرة تشهدها المنطقة، توعد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، برد “في الوقت المناسب” على عملية اغتيال القيادي في الحزب، هيثم علي الطبطبائي، والتي نفذتها إسرائيل في الضاحية الجنوبية من بيروت. هذا الحادث يثير تساؤلات حول مسار المواجهة المحتملة، والتصعيد الإقليمي، والضغوط المتزايدة على لبنان والجزء اللبناني من حزب الله. يأتي هذا في سياق تصاعد التوترات الحدودية والتهديدات الإسرائيلية المتكررة.
اغتيال هيثم الطبطبائي وتصريحات حزب الله
أكد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، خلال حفل تأبين للطبطبائي، أن عملية الاغتيال تمثل “اعتداء سافرًا وجريمة موصوفة”. وأفاد قاسم بأن للحزب الحق في الرد، ولكنه سيحدد التوقيت المناسب لذلك. هذا التصريح يمثل إشارة واضحة إلى أن حزب الله لا يعتبر هذا الحادث عابرًا، وأن الرد سيكون وشيكًا بمجرد تحديد الظروف المناسبة.
الكلمة القوية لقاسم تحمل رسالة مزدوجة، تجاه الداخل اللبناني وتجاه المجتمع الدولي. فمن جهة، هي بمثابة تعهد بالانتقام لأتباعه وتأكيد على قوة الحزب وصلابته. ومن جهة أخرى، هي تحذير لإسرائيل من مغبة استمرار مثل هذه العمليات، وتذكير بالمخاطر المترتبة على التصعيد.
من هو هيثم الطبطبائي؟
أفادت مصادر أمنية لبنانية بأن هيثم الطبطبائي كان القائد العسكري لحزب الله بعد القيادي فؤاد شكر، الذي اغتيل العام الماضي. ولد الطبطبائي عام 1968 لأب إيراني وأم لبنانية، ونشأ في جنوب لبنان، وانضم إلى حزب الله في شبابه. لفتت الأنظار إليه بعد نجاته من محاولة اغتيال إسرائيلية عام 2015 في مدينة القنيطرة السورية الحدودية مع الجولان.
يُظهر هذا الخلفية الأمنية المعقدة للطبطبائي، ودوره المحوري في العمليات العسكرية لحزب الله، وأهمية المعلومات التي كان يمتلكها. اغتياله يمثل ضربة قوية لقدرات الحزب العسكرية والاستخباراتية.
اتهامات بالتجسس واختراقات أمنية
خلال كلمته، أشار نعيم قاسم إلى وجود “اختراقات وعملاء يتجسسون لإسرائيل”، موضحًا أن هذا الأمر يحدث في “ساحة مفتوحة” بسبب التغطية الدولية ووجود جنسيات أجنبية، وحتى بعض الاستخبارات العربية. هذه التصريحات خطيرة، إذ أنها تشير إلى مدى عمق النفوذ الإسرائيلي في لبنان، وتورط أطراف إقليمية في تقديم الدعم الاستخباراتي لإسرائيل.
الأمر الذي قد يدعو إلى مراجعة شاملة للإجراءات الأمنية في لبنان، وتحديد هوية العملاء والمتجسسين، وقطع خطوط الإمداد المعلوماتي عن العدو. ويتطلب ذلك تعاونًا وتنسيقًا بين مختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية، بالإضافة إلى تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسة الأمنية.
الضغوط الإقليمية والدولية وتأثيرها على الوضع
تأتي عملية الاغتيال في ظل تكرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وتأكيدها أنها لن تسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، هناك ضغوط أمريكية متزايدة على الجيش اللبناني لتسريع نزع سلاح الحزب، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
هذه الضغوط المتراكمة تزيد من تعقيد الوضع في لبنان، وتهدد الاستقرار السياسي والأمني. فمن جهة، هناك خطر التصعيد العسكري المباشر بين إسرائيل وحزب الله. ومن جهة أخرى، هناك خطر الانهيار السياسي في لبنان بسبب الخلافات الداخلية حول قضية السلاح. الوضع الحالي يتطلب حكمة وصبرًا وجهودًا دبلوماسية مكثفة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. إن التعامل مع هذه الضغوط يتطلب من الحكومة اللبنانية تبني موقفًا موحدًا، والتواصل مع جميع الأطراف المعنية، والبحث عن حلول سياسية تضمن الاستقرار والأمن.
مطالبة الحكومة اللبنانية بخطة مواجهة
طالب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الحكومة اللبنانية بوضع خطة لمواجهة إسرائيل، مشيرًا إلى أن الوضع الحالي يتطلب تحركًا سريعًا ومسؤولًا. هذه المطالبة تأتي في سياق إحباط حزب الله من أداء الحكومة اللبنانية في التعامل مع التهديدات الإسرائيلية، وتأكيدًا على أن الحزب سيظل يتولى مسؤولية حماية نفسه ومصالحها.
تعتبر هذه النقطة جوهرية لأنها تعكس عدم الثقة المتزايدة في قدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها. يجب على الحكومة اللبنانية الاستماع إلى هذه المطالبة، والتفاعل معها بشكل جاد، ووضع خطة شاملة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، تتضمن جوانب عسكرية وأمنية ودبلوماسية.
الخلاصة والآفاق المستقبلية
إن اغتيال هيثم الطبطبائي يمثل تصعيدًا خطيرًا في الصراع الإقليمي، ويهدد بفتح جبهة جديدة بين إسرائيل وحزب الله. لقد أوضح حزب الله عزمَه على الرد على هذا الاغتيال، في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان لتفكيك قوة الحزب. للتعامل مع هذا الوضع المعقد، يجب على الحكومة اللبنانية أن تتحرك بسرعة ووضع خطة شاملة لمواجهة التهديدات، وأن تسعى إلى بناء الثقة مع المجتمع الدولي، وأن تضمن حماية سيادة لبنان وأمنه. يتطلب ذلك حوارًا وطنيًا شاملًا، وتوافقًا سياسيًا على المصالح الوطنية العليا، وتجنب الانجرار إلى مغامرات عسكرية قد تؤدي إلى كارثة. الوضع يتطلب أيضًا جهودًا دبلوماسية مكثفة لمنع التصعيد، وإيجاد حلول سياسية للأزمة. هيثم الطبطبائي ليست مجرد خسارة عسكرية لحزب الله، بل هي إشارة تحذيرية للمنطقة بأكملها. التصعيد الإقليمي يحدق بالجميع، ويتطلب وقفة جادة من جميع الأطراف المعنية. الوضع الأمني في لبنان هش للغاية، ويستدعي تعزيز الاستقرار السياسي والأمني. نأمل أن يتمكن المجتمع الدولي من المساهمة في تهدئة الأوضاع، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.


