القاهرة- تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرحلة بالغة الحساسية، مع اتساع رقعة المواجهة، وتوجهها إلى صراع إقليمي مفتوح يهدد الشرق الأوسط والنظام الدولي بأسره. وفي وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية المتبادلة، يبدو أن المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، تقف عاجزة عن وقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع. هذه الحرب وتطوراتها تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وهل ما زالت قواعد القانون الدولي قادرة على ضبط الصراعات؟ ولمناقشة هذه الأسئلة، تحاور الجزيرة نت الأكاديمي والسياسي المصري الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، لتقديم قراءة تحليلية لطبيعة وأبعاد الحرب ومستقبلها، وموقعها في التحولات الكبرى للنظام الدولي.
طبيعة الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران: جذور وتداعيات إقليمية
الحرب الإسرائيلية الأمريكية الحالية فُرضت على إيران؛ إذ لم تكن طهران تسعى إلى خوض مواجهة مباشرة. لفهم هذه الحرب، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للصراع الأمريكي الإيراني، الذي بدأ عام 1979 عقب انتصار الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه، أحد أهم ركائز السياسة الأمريكية في المنطقة. منذ ذلك الوقت، أدركت القيادة الإيرانية أن خصمها الرئيسي هو أمريكا، وهو ما وضع النظام الإيراني في حالة دفاع دائم في مواجهة تآمرات محتملة.
هذا الإدراك ارتبط بهواجس تاريخية لدى الإيرانيين، أهمها احتمال تكرار سيناريو الانقلاب على حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق، منتصف القرن الماضي، بتعاون أمريكي بريطاني لإعادة الشاه إلى الحكم. ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقات بين الطرفين في صراع مستمر، مع اعتقاد راسخ لدى طهران بأن واشنطن ستسعى في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام الثوري في إيران، لأنه مناهض للهيمنة الأمريكية على المنطقة.
وبسبب هذه المخاوف، عملت إيران على بناء خطوط دفاع إقليمية متقدمة عبر دعم قوى حليفة، مثل حزب الله في لبنان وفصائل بالعراق وجماعة “الحوثيين” باليمن. في المقابل، نجحت أمريكا وبمساعدة إسرائيل باستدراج العراق للدخول في حرب طويلة ضد إيران (1980-1989) استنزفت البلدين. لاحقًا، عندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990، انتهزت واشنطن الفرصة للسيطرة على العراق، بعد حرب كبرى ساهمت فيها دول عربية، انتهت بتدمير الجيش العراقي وفرض حصار طويل الأمد.
العراق لم يكن الهدف الأمريكي الوحيد، بل أرادت واشنطن السيطرة المباشرة على الشرق الأوسط بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. لو تمكنت أمريكا من تثبيت أقدامها في العراق، لكانت إيران هي الهدف التالي، وهو ما انتبهت إليه طهران. وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس تحدثت عن مفهوم “الفوضى الخلّاقة” كأداة للسيطرة على الشرق الأوسط، بدءًا بالسيطرة على العراق وامتدادًا إلى دول أخرى، بما في ذلك إيران.
أما الشرارة المباشرة للجولة الحالية من التصعيد، فقد فجّرتها عملية “طوفان الأقصى”، التي شكلت نقطة تحول مهمة وأطلقت سلسلة من التفاعلات الإقليمية. صحيح أن قرار “الطوفان” اتخذته حركة حماس بشكل مستقل، لكن حجم الخسائر التي لحقت بإسرائيل، ورغبة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في الهروب إلى الأمام للتغطية على الهزيمة، ساعدت على أن يأتي رد الفعل الإسرائيلي واسعًا وعنيفًا.
تقييم مسار الحرب الإيرانية وسيناريوهات تطورها
تطورات الحرب تشير إلى أن أمريكا وإسرائيل كانتا تراهنان على أن الضربة الأولى ستؤدي إلى خلخلة النظام الإيراني وتسهيل إسقاطه، عبر إحداث اضطراب داخلي واسع. هذا السيناريو فشل حتى الآن، إذ يبدو أن النظام الإيراني ما زال متماسكًا وقادرًا على الصمود رغم الضربات القوية. يتعامل النظام مع الحرب باعتبارها تهديدًا وجوديًا ليس للنظام فحسب، بل لإيران كدولة مهددة بالتفتت.
استمرار إطلاق الصواريخ المتطورة تجاه إسرائيل يؤكد أن النظام الإيراني ما زال قويًا ومتماسكًا، وأنه يتعامل مع جولة المواجهة الحالية باعتبارها مصيرية لإعادة تشكيل المنطقة وفتح الطريق نحو الهيمنة الإسرائيلية. مع تصاعد العمليات ودخولها مرحلة جديدة باستهداف إسرائيل للبنى التحتية الإيرانية، دخلت المنطقة مرحلة أكثر خطورة، قد تكون لها انعكاسات واسعة على توازنات القوى.
أخطر سيناريوهات استمرار الحرب هو “هدم المعبد على من فيه”، وهو السيناريو الذي يمكن أن يلجأ إليه النظام الإيراني إذا شعر بأنه على وشك الانهيار. هنا يصبح توسيع دائرة الصراع إلى أقصى حد أمرًا واردًا، بما في ذلك استهداف المنشآت النفطية بالمنطقة، مما قد يؤدي إلى فوضى واسعة النطاق. لذلك، مصلحة جميع دول المنطقة تقتضي التحرك السريع إلى جانب الأطراف القادرة على لعب دور للتوصُّل إلى تهدئة.
الأهداف الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب من هذه الحرب
لا يمكن اختزال الأهداف الإستراتيجية الحقيقية لأمريكا وإسرائيل في أهدافهما المعلنة، المتمثلة في القضاء على البرنامجين النووي والباليستي. يتعلق الأمر بأهداف أخرى، في مقدمتها إضعاف إيران كقوة إقليمية، ليس بقطع أذرعها الإقليمية فحسب، ولكن بتدمير محور المقاومة كله من خلال إسقاط النظام الإيراني. هذا يفسر حرص نتنياهو على جر واشنطن للانخراط المباشر في الحرب، لأنه يدرك عجز إسرائيل بمفردها عن حسم المواجهة مع دولة بحجم إيران.
التجربة التاريخية في المنطقة تشير إلى أن أي دولة تحاول اتباع مسار تنموي مستقل أو تبني سياسة خارجية لا تتوافق مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية ينظر إليها باعتبارها تهديدًا. يمكن القول إن الهدف النهائي للحرب قد يكون إما إسقاط النظام الإيراني، أو إجباره على تغيير سياساته بحيث تصبح أكثر توافقًا مع مصالح أمريكا وإسرائيل.
الإستراتيجية الإيرانية في إدارة الحرب: قراءة تحليلية
التقديرات الغربية أخطأت في فهم طبيعة النظام الإيراني وجذوره الثقافية والحضارية العميقة. ساد لدى بعض الدوائر تصورٌ مفاده أن قطع رأس النظام والقضاء على قياداته سيؤدي إلى شلله أو انهياره، لكن الواقع يشير إلى أن إيران طوّرت بنية مؤسسية قوية، وأن نظامها تمكّن من إفراز عدة مستويات قادرة على تعويض القيادات العليا.
لذلك، فإن اغتيال بعض القيادات لا يعني بالضرورة انهيار النظام، بل إن التدخل الخارجي قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، إذ يمكن أن يُعزز حالة التلاحم الداخلي بين النظام والمجتمع. مع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن بنية المجتمع الإيراني تحتوي نقاط ضعف يمكن التسلل من خلالها، بينها توترات مرتبطة بأقليات قومية.
مستقبل النظام الدولي في ظل تصاعد الصراع
النظام الدولي يمر بأزمة عميقة، فالأمم المتحدة تبدو عاجزة تمامًا عن لعب أي دور فعّال في إدارة الأزمات الكبرى. ويرجع ذلك إلى طبيعة النظام الذي تأسست عليه الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يقوم على مفهوم الأمن الجماعي، مع منح الدول الخمس الدائمة حق النقض.
ومع ظهور هذا المجلس على مقاس ترمب، نأت القوى الكبرى بنفسها عنه ولا تنظر إليه باعتباره إطارا دوليا حقيقيا. من الصعب تصور أن مؤسسة بديلة للأمم المتحدة يمكن أن تنجح دون مشاركة القوى الكبرى في النظام الدولي.
العالم يمر بمرحلة انتقالية تتسم بدرجة كبيرة من السيولة وعدم الاستقرار، والنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قادرًا على الاستمرار. القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لم تعد تُحترم بالقدر ذاته، والمؤسسات الدولية لم تعد تعكس موازين القوى الفعلية. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تساهم في تسريع هذا التفكك.
قد يكون العالم أمام مرحلة تاريخية من تفكك النظام الدولي وولادة نظام أكثر فوضوية، لكن هذا لا يعني بالضرورة نهاية النظام الدولي، بل تحولًا نحو نظام جديد متعدد الأقطاب. هذا التحول قد يستغرق وقتًا طويلاً وقد يصاحبه صراعات وتوترات إقليمية ودولية.
في الختام، الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران ليست مجرد صراع إقليمي، بل هي جزء من تحولات كبرى في النظام الدولي. تتطلب هذه التحولات حوارًا جادًا وتعاونًا دوليًا لإعادة بناء نظام دولي أكثر عدلاً واستقرارًا. يجب على جميع الأطراف المعنية العمل على تخفيف التوترات وتجنب التصعيد، والتركيز على الحلول الدبلوماسية والسياسية.


