في خطوة تشريعية مثيرة للجدل، صادق الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع تعديل “قانون الأماكن المقدسة”، وهو ما يُعرف إسرائيليًا باسم “قانون ساحة البراق”. هذا التعديل، الذي يتجاوز في أبعاده الخلافات الدينية الداخلية في إسرائيل، يثير مخاوف عميقة بشأن مستقبل القدس المحتلة والمسجد الأقصى، ويشكل تهديدًا للوضع التاريخي القائم في المدينة المقدسة. وبينما يُقدم التعديل على أنه تنظيم ترتيبات الصلاة لليهود في حائط البراق، يكشف تحليله الدقيق عن مسعى أوسع لإعادة تعريف المرجعية القانونية والإدارية للأماكن المقدسة في القدس.
“قانون ساحة البراق”: تفاصيل التعديل ومخاطره
يهدف التعديل المقترح إلى منح الحاخامية الكبرى الإسرائيلية، ذات التوجه الأرثوذكسي، صلاحيات مرجعية شبه مطلقة لتحديد ما يُعد “تدنيسًا” في المواقع التي تصنفها إسرائيل “أماكن مقدسة يهودية”، بما في ذلك ساحة “عزرات يسرائيل” المخصصة للصلاة غير الأرثوذكسية. وبموجب هذا التعديل، يمكن اعتبار أي نشاط ديني لا ينسجم مع توجيهات الحاخامية الإسرائيلية، بما في ذلك الصلوات غير الأرثوذكسية، فعلاً “مدنسًا”. هذا التعريف الفضفاض يثير مخاوف جدية من توسيعه ليشمل أنشطة إسلامية أو مسيحية داخل الحرم القدسي والبلدة القديمة في القدس.
السياق السياسي والتصعيد اليميني
يأتي مشروع القانون، الذي قدمه النائب آفي ماعوز رئيس حزب نوعم، في سياق تصعيد تقوده تيارات يمينية متطرفة داخل الائتلاف الحكومي، إلى جانب منظمات “الهيكل” المزعوم. هذه القوى تسعى بشكل واضح إلى تغيير الوضع التاريخي القائم في الأقصى، وتكريس السيطرة اليهودية على الحرم القدسي. لا يقتصر هذا المسعى على البعد التشريعي فحسب، بل يتقاطع مع خطوات ميدانية وسياسية تهدف إلى إعادة صياغة آليات إدارة الأقصى وساحاته، ومحاولة إخضاع دائرة الأوقاف الإسلامية لشروط الاحتلال.
خطوات ميدانية وسياسية متصاعدة
تشمل هذه الخطوات الميدانية والسياسية الدفع نحو تمديد ساعات الاقتحام، مما يوسع نطاق التقسيم الزماني، وإحياء مساعي التقسيم المكاني، بما في ذلك محاولات السيطرة على مرافق ملاصقة لمصلى باب الرحمة. وقد تجسد هذا التصعيد في دعوات سابقة لإغلاق الأقصى خلال شهر رمضان، وهو ما حدث بالفعل صباح السبت، مع إعلان حالة طوارئ شاملة تزامنًا مع التوترات الإقليمية.
إغلاق الأقصى وحالة الطوارئ: استغلال التوترات الإقليمية
مع إعلان حالة الطوارئ، سارعت سلطات الاحتلال إلى إخلاء الأقصى من المصلين وإغلاق أبوابه، وفرضت إجراءات مشددة في محيطه. قدمت سلطات الاحتلال هذا القرار باعتباره استجابة لتعليمات أمنية استثنائية، لكن مراقبين يرون في هذه الخطوة امتدادًا لسياسة ربط إدارة الأقصى بالتطورات الأمنية الإقليمية، واستغلالها لتبرير القيود المفروضة على المصلين. هذا الإغلاق يمثل سابقة خطيرة، ويؤكد على أن حرية الوصول إلى المسجد الأقصى أصبحت مرهونة بالاعتبارات السياسية والأمنية الإسرائيلية.
الثغرة القانونية في “قانون الأماكن المقدسة”
تكمن خطورة التعديل على “قانون الأماكن المقدسة” في استناده إلى الصياغة الفضفاضة للقانون الأصلي الصادر عقب احتلال القدس عام 1967. هذا القانون نص على حماية “الأماكن المقدسة” ومنع “تدنيسها” دون تحديد دقيق لهوية هذه الأماكن أو الجهة المخولة بتعريف مفهوم التدنيس. هذه الثغرة القانونية تتيح إدراج المسجد الأقصى ضمن نطاق القانون باعتباره “جبل الهيكل” بحسب المزاعم التوراتية اليهودية، وإخضاعه عمليًا لمرجعية دينية إسرائيلية، دون الحاجة إلى نص صريح يذكره.
دعم التعديل من اليمين المتطرف
يحظى التعديل بدعم مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، رئيس حزب “عظمة يهودية”، وكذلك من تيار “الصهيونية الدينية” برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. يرى هؤلاء في القانون “فرصة تاريخية” لفرض واقع جديد في الأقصى، وتقويض ترتيبات الوضع القائم، وصولاً إلى إعادة تعريف الأنشطة الإسلامية داخله استنادًا إلى المرجعية الدينية اليهودية. كما تقود حملة دعم التعديل تيارات دينية تقليدية ممثلة بحزبي “يهدوت هتوراه” و”شاس” الحريديين.
تداعيات إقرار التعديل على الأوقاف الإسلامية
إقرار التعديل بالقراءتين الثانية والثالثة قد يمس بصورة مباشرة صلاحيات الأوقاف في إدارة شؤون المسجد، وتنظيم الدخول إليه، والإشراف على مرافقه الدينية والتعليمية. هذا قد يفتح الباب أمام تغييرات في التقسيم الزماني والمكاني، أو فرض قيود جديدة على الأنشطة الإسلامية داخله. المحامي المقدسي المختص في القانون الدولي، معين عودة، يصف مشروع التعديل بأنه تشريع بالغ الخطورة، يتجاوز تداعياته نطاق ساحة البراق لتطال كامل البلدة القديمة في القدس.
المخاطر القانونية والسياسية
يؤكد عودة أن القانون يحمل أهدافًا معلنة وأخرى غير مباشرة وبعيدة المدى، مما يطرح تساؤلات جدية حول خلفياته الحقيقية. الخطر الأكبر لا يكمن فقط في النص ذاته، بل في احتمالية إقراره نهائيًا في الكنيست، فحتى لو لم تترتب نتائج فورية ومباشرة على الأقصى، فإن تمرير تشريع بصياغة فضفاضة ومبهمة يفتح الباب أمام إدخال تفاصيل وتفسيرات لاحقة دون ضوابط واضحة. إقرار التعديل قد يشكل قاعدة قانونية لمحاولات مستقبلية تهدف إلى تقليص صلاحيات الأوقاف الإسلامية تدريجيًا، وإخضاعها للمظلة القانونية الإسرائيلية.
خطوات متدرجة نحو تغيير الواقع في الأقصى
الكاتب والباحث المختص بالشؤون الإسرائيلية، ساهر غزاوي، يرى أن مصادقة الكنيست على مشروع التعديل تمثل تحولًا نوعيًا في المرجعية التي تُعرّف ما هو “انتهاك” أو “تدنيس” داخل المواقع الدينية في القدس. ويؤكد أن التغيير في الأقصى لم يحدث بقرار شامل ومباشر، بل عبر خطوات متدرجة: توسيع الاقتحامات، تعديل قواعد السلوك، فرض قيود على المصلين، وتحويل الإجراءات المؤقتة إلى أعراف ثابتة. التعديل يمثل مرحلة متقدمة، لأنه يوفر غطاء قانونيًا لأي إجراء ميداني، ويحول التغيير إلى تنفيذ لقانون يستند إلى مرجعية دينية رسمية. هذا التعديل يهدد ليس فقط إدارة المسجد الأقصى، بل الوجود الإسلامي والفلسطيني في القدس.



