مع بدء العد التنازلي لانتهاء ولاية الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في نهاية عام 2026، يتصاعد الترقب العالمي حول هوية الشخص الذي سيقود المنظمة الدولية في مواجهة تحديات معقدة ومتزايدة. هذا السباق لاختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة يكتسب أهمية خاصة في ظل الأزمات الدولية المتفاقمة وتراجع قدرة المنظمة على التأثير في النزاعات الكبرى. صحيفة كوميرسانت الروسية تسلط الضوء على هذا الاستحقاق، متوقعةً تحولاً تاريخياً محتملاً.

سباق الترشيحات: نظرة على أبرز الأسماء

التقارير تشير إلى أن هناك توقعات واسعة النطاق بأن تترأس امرأة الهيئة الأممية للمرة الأولى في تاريخها. هذا التوجه يعكس وعياً متزايداً بأهمية التوازن بين الجنسين في المناصب القيادية الدولية. أسماء عدة بدأت تبرز في هذا السباق غير المعلن، أبرزها التشيلية ميشيل باشيليت، الرئيسة السابقة والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان، والتي تحظى بدعم قوي لفكرة انتخاب أول امرأة لتولي هذا المنصب الرفيع.

بالإضافة إلى باشيليت، تم طرح اسم ريبيكا غرينسبان من كوستاريكا، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي من الأرجنتين. هذه الترشيحات المتنوعة تعكس التنافس الإقليمي والسياسي الذي يرافق هذه العملية الحساسة.

التوازن بين الجنسين: عامل حاسم في الدورة الجديدة

تحليل المعطيات الحالية يشير إلى أن 4 من أصل 6 مرشحين محتملين هم من النساء، مما يجعل التوازن بين الجنسين عاملاً أساسياً في هذه الدورة. هذا التوجه يعكس الضغوط المتزايدة على الدول الأعضاء لتعزيز تمثيل المرأة في المناصب القيادية العليا في الأمم المتحدة. العديد من المراقبين يرون أن انتخاب امرأة للأمين العام سيكون بمثابة رسالة قوية حول التزام المنظمة بالمساواة بين الجنسين.

الأمم المتحدة في مفترق طرق: تحديات تواجه المنظمة

معركة اختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة لا تعكس فقط التنافس على المنصب، بل تعكس أيضاً حالة النظام الدولي نفسه: تعددية مضطربة، وتنافس قوى، وحاجة ملحة إلى شخصية قادرة على إدارة التناقضات أكثر من قيادتها. الأمم المتحدة، التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، تواجه تحديات عميقة بعد تراجع تأثيرها في القضايا الدولية الكبرى.

عملية اختيار الأمين العام الجديد بدأت رسمياً في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مع رسالة مشتركة من رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، تدعو إلى الالتزام بمبادئ الشفافية والشمولية، وتشجع بشكل صريح على ترشيح النساء للمنصب. هذه الرسالة تمثل الإشارة التقليدية لبدء المشاورات غير المعلنة حول الأسماء المحتملة، في مسار معقد يجمع بين الدبلوماسية العلنية والصفقات الخلفية.

دور الأمين العام: بين الإدارة والسياسة

الدبلوماسي الروسي السابق سيرغي أوردجونيكيدزه يصف منصب الأمين العام بأنه إداري في الأساس، ولكنه سياسي بالضرورة. الميثاق يمنح الأمين العام صفة “المسؤول الإداري الأول”، ولكنه في الوقت نفسه يضعه في قلب التوازنات الدولية، حيث ينفذ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، حتى عندما تتعارض هذه القرارات مع مواقف دول بعينها. شخصية الأمين العام تلعب دوراً حاسماً في مدى حضوره السياسي، كما يتضح من تجربة كوفي عنان، الذي حظي بشعبية واسعة داخل المنظمة ونال جائزة نوبل للسلام.

معايير الاختيار: التوافقية والخبرة

يجب أن يكون الأمين العام الجديد للأمم المتحدة شخصية توافقية قادرة على التعامل مع مصالح متناقضة لدول كبرى وصاعدة في آن واحد. هذا يجعل التوافق على المرشح عملية شاقة، ازدادت تعقيداً بعد نهاية النظام الدولي ثنائي القطب. يُعين الأمين العام لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، بناء على توصية من مجلس الأمن، ثم تصديق الجمعية العامة. الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن يتمتعون بحق النقض (الفيتو)، مما يمنحهم تأثيراً حاسماً في العملية.

بالإضافة إلى ذلك، ترسخت تقاليد للتناوب الإقليمي، حيث شغل المنصب حتى الآن 4 أمناء من أوروبا الغربية، واثنان من أفريقيا، واثنان من آسيا، وواحد من أمريكا اللاتينية. مع اقتراب نهاية ولاية غوتيريش، تتجه الأنظار مجدداً نحو أمريكا اللاتينية، التي لم تحظ بالمنصب سوى مرة واحدة.

تعزيز الشفافية: إجراءات جديدة للاختيار

تم تحديث إجراءات الاختيار بقرار أممي صدر في سبتمبر/أيلول 2025، عزز الشفافية عبر إلزام المرشحين بنشر برامجهم، والكشف عن مصادر تمويلهم، والاستقالة المؤقتة من مناصبهم لتفادي تضارب المصالح. هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان نزاهة العملية وتعزيز ثقة الدول الأعضاء في النتيجة.

مستقبل الأمم المتحدة: الحاجة إلى قيادة قوية

الانتخابات المقبلة تأتي في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة انتقادات حادة بسبب عجزها عن التأثير في نزاعات كبرى، مثل حرب يونيو/حزيران 2025 ضد إيران، حيث جرى تجاوز مجلس الأمن عملياً. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن غياب الأمم المتحدة سيؤدي إلى فوضى أكبر، وأنها ما زالت الإطار الوحيد المتاح للحوار الدولي. إن اختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة يمثل فرصة لإعادة تأهيل المنظمة وتعزيز دورها في عالم يواجه تحديات غير مسبوقة. القيادة القوية والحكيمة ضرورية لضمان قدرة الأمم المتحدة على مواجهة هذه التحديات وتحقيق أهدافها السامية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version