في إنجاز علمي بارز، تمكن علماء الفلك من قياس سرعة الرياح الكونية الهائلة المنطلقة من قلب مجرة السيجار (M82) لأول مرة، وكشفت القياسات عن أرقام مذهلة تتجاوز 3 ملايين كيلومتر في الساعة. هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة لفهم ديناميكيات المجرات وتطورها، ويقدم رؤى قيمة حول العمليات الفيزيائية المعقدة التي تحدث في الفضاء السحيق. تعد هذه الدراسة خطوة مهمة في مجال علم الفلك.
تُعرف مجرة السيجار بأنها مجرة انفجارية نجمية، حيث تتشكل النجوم بمعدل أعلى بعشر مرات من مجرتنا درب التبانة. هذا النشاط النجمي المكثف يجعلها مختبرًا طبيعيًا لدراسة الظواهر العنيفة في الكون، مثل المستعرات العظمى وتدفقات الغاز الساخن. تقع مجرة السيجار على بعد حوالي 12 مليون سنة ضوئية من الأرض في كوكبة الدب الأكبر.
كيف تم قياس سرعة الرياح لأول مرة؟
جاء هذا الإنجاز بفضل القمر الصناعي “إكس-ريزم” (XRISM)، وهو مشروع تعاوني بين وكالة الفضاء اليابانية ووكالة ناسا الأمريكية. استخدم العلماء أداة “ريزولف” (Resolve) فائقة الحساسية لرصد الأشعة السينية المنبعثة من الحديد فائق السخونة الموجود في مركز المجرة. تعتبر الأشعة السينية مؤشرًا قويًا على وجود غاز ساخن للغاية.
اعتمد الباحثون على مبدأ تأثير دوبلر، الذي يفسر التغير في تردد الضوء بسبب حركة المصدر. من خلال تحليل اتساع خطوط الطيف، تمكن الفريق من تحديد سرعة الرياح بدقة غير مسبوقة. تُظهر البيانات أن درجة حرارة الغاز تصل إلى حوالي 25 مليون درجة مئوية، مما يولد ضغطًا هائلاً يدفع المادة بعيدًا عن مركز المجرة.
تأكيد لنظرية قديمة ولكن…
لطالما افترض علماء الفلك أن هذه الرياح مدفوعة بانفجارات المستعرات العظمى التي تحدث نتيجة لتشكل النجوم بكثافة في مراكز المجرات. تؤكد القياسات الجديدة هذا الافتراض، حيث تظهر أن الرياح الساخنة قادرة على دفع كميات كبيرة من الغاز إلى خارج المجرة، بمعدل يصل إلى أربعة أضعاف كتلة الشمس سنويًا. هذا التدفق الهائل من المادة يؤثر بشكل كبير على بيئة المجرة المحيطة.
ومع ذلك، لا تزال هناك مفارقة. فقد كشفت النتائج أن المجرة تقذف مادة تكفي لتكوين سبع نجوم بحجم الشمس كل عام، بينما لا تفسر الرياح سوى أربع كتل شمسية فقط. هذا يعني أن هناك كتلة مفقودة، ومصيرها لا يزال غير معروف. قد تكون هذه الكتلة المفقودة مرتبطة بظواهر أخرى مثل الثقوب السوداء أو المادة المظلمة.
أين تذهب الكتلة المفقودة؟
هذا السؤال يمثل لغزًا جديدًا يواجه علماء الفلك. هل تغادر الكتلة المفقودة المجرة نهائيًا؟ أم تعود لتغذي عملية تشكل النجوم الجديدة؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب المزيد من الدراسات والتحليلات المتعمقة.
بالإضافة إلى ذلك، لا يزال دور الأشعة الكونية في هذه العملية قيد البحث. يعتقد بعض العلماء أن الأشعة الكونية قد تلعب دورًا ثانويًا في دفع الغاز إلى الخارج، ولكنها ليست المحرك الرئيسي. هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لتحديد مدى تأثير الأشعة الكونية على ديناميكيات المجرة.
يُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة في فهم كيفية تطور المجرات وتأثير الرياح الكونية على بيئتها. من المتوقع أن تستمر وكالة الفضاء اليابانية ووكالة ناسا في تحليل البيانات التي جمعها القمر الصناعي “إكس-ريزم” في الأشهر والسنوات القادمة، بهدف الحصول على المزيد من الرؤى حول هذه الظاهرة المعقدة. من المرجح أن يتم نشر المزيد من النتائج التفصيلية في المجلات العلمية المتخصصة بحلول نهاية عام 2026.



