نجح تلسكوب جيمس ويب الفضائي في التقاط صورة غير مسبوقة الدقة للمنطقة المحيطة بـ ثقب أسود فائق الضخامة، مما يوفر رؤى جديدة حول كيفية “تغذية” هذه الأجسام الكونية الغامضة. هذا الاكتشاف، الذي نُشر في 13 يناير 2026، قد يغير فهمنا لطبيعة الثقوب السوداء وتأثيرها على المجرات.
تم رصد قلب مجرة البيكار، الواقعة على بعد 13 مليون سنة ضوئية من الأرض، باستخدام قدرات التلسكوب المتقدمة في الرؤية عبر الغبار الكوني. وقد كشفت البيانات الجديدة عن تفاصيل مذهلة حول العمليات الفيزيائية التي تحدث بالقرب من هذه الأجسام ذات الجاذبية الهائلة.
اكتشاف يعيد تفسير سلوك الثقوب السوداء
لطالما لاحظ العلماء توهجًا غير عادي في الأشعة تحت الحمراء حول الثقوب السوداء الموجودة في مراكز المجرات. كان الاعتقاد السائد أن هذا التوهج ناتج عن مواد ساخنة للغاية تُقذف بعيدًا عن الثقب الأسود على شكل رياح أو نفاثات. ومع ذلك، أظهرت الدراسة الجديدة أن هذا التفسير غير دقيق.
أظهرت النتائج أن ما يقرب من 87% من هذا التوهج لا يأتي من المواد التي يطردها الثقب الأسود، بل من قرص كثيف من الغبار والغاز يدور حوله ويتجه تدريجياً للسقوط داخله. هذا القرص، الذي يعمل كدوامة مائية، يسخن بشدة أثناء الدوران، مما يؤدي إلى إصدار كمية كبيرة من الضوء.
أما الرياح والنفاثات الخارجة من الثقب الأسود، فتبين أنها تساهم بنسبة ضئيلة جدًا من هذا الإشعاع، لا تتجاوز 1%. هذا الاكتشاف يمثل تحولًا كبيرًا في فهمنا لكيفية عمل الثقوب السوداء.
رؤية أدق بفضل تقنية خاصة
اعتمد العلماء على تقنية متقدمة داخل تلسكوب جيمس ويب تعرف باسم التداخل الضوئي. تسمح هذه التقنية بمضاعفة دقة الرؤية، مما جعل التلسكوب يبدو وكأنه مرصد عملاق بقطر 13 مترًا، بدلاً من قطره الحقيقي البالغ 6.5 أمتار. هذه التقنية ساهمت بشكل كبير في الحصول على هذه الصورة التفصيلية.
مكنت هذه التقنية الباحثين من تصوير منطقة يبلغ عرضها 33 سنة ضوئية حول الثقب الأسود، وهي أوضح صورة تم التقاطها من هذا النوع حتى الآن. وقد أتاح ذلك تحديد مصدر الضوء بدقة غير مسبوقة، مما أدى إلى هذا الاكتشاف الهام.
أهمية دراسة المجرات
تعتبر دراسة المجرات ضرورية لفهم تطور الكون. فالثقوب السوداء الفائقة الضخامة تلعب دورًا حاسمًا في هذا التطور، حيث تؤثر على نمو المجرات وتكوين النجوم. فهم كيفية عمل هذه الثقوب السوداء يمكن أن يساعدنا في فهم أصل الكون ومستقبله.
بالإضافة إلى ذلك، فإن دراسة الجاذبية بالقرب من الثقوب السوداء يمكن أن تساعدنا في اختبار نظريات النسبية العامة لأينشتاين في ظروف قاسية للغاية.
لماذا هذا الاكتشاف مهم؟
يساعد هذا الاكتشاف العلماء على فهم كيفية نمو الثقوب السوداء وكيف تؤثر على المجرات التي تعيش في مراكزها. طريقة ابتلاع المادة أو طردها يمكن أن تتحكم في ولادة النجوم أو توقفها داخل المجرة. هذا الفهم ضروري لبناء نماذج دقيقة لتطور المجرات.
كما يفتح هذا الإنجاز الباب لدراسة ثقوب سوداء أخرى قريبة بالطريقة نفسها، وربما إعادة تفسير مشاهدات قديمة كانت غامضة أو أسيء فهمها. من المتوقع أن يتم تطبيق هذه التقنية على عدد من الثقوب السوداء الأخرى في الأشهر القادمة.
في المستقبل القريب، يخطط العلماء لمواصلة استخدام تلسكوب جيمس ويب لدراسة المزيد من الثقوب السوداء، بهدف الحصول على فهم أعمق لآلياتها الداخلية وتأثيرها على البيئة المحيطة بها. من المتوقع أن يتم نشر المزيد من النتائج المثيرة في غضون العام المقبل، مما قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في فهمنا للكون.


