تواجه الدول التي تشترك في أحواض أنهار مشتركة تحديات كبيرة في إدارة الموارد المائية، خاصة مع بناء السدود الكبيرة. غالبًا ما يثير بناء هذه السدود مخاوف بشأن التوزيع العادل للمياه، ويصعب على دول المصب الحصول على معلومات دقيقة حول كميات المياه التي تحتجزها دول المنبع. لكن دراسة حديثة، تركز على سد النهضة، تقدم حلاً مبتكرًا باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية لمراقبة حجم المياه المخزنة، مما يجعل المعلومات المتعلقة بالسد متاحة بشكل أكبر.
نشرت دورية “إنفايرونمينتال موديلينغ أند سوفتوير” (Environmental Modelling & Software) نتائج هذه الدراسة التي قام بها الدكتور علاء مسعود من جامعة طنطا. توضح الدراسة إمكانية استخدام صور الأقمار الصناعية لمراقبة كمية المياه في سد النهضة بدقة، وتحويله إلى ما يشبه “كتابًا مفتوحًا من الفضاء”. يهدف هذا النهج إلى تعزيز الشفافية وتوفير بيانات موثوقة لجميع الأطراف المعنية.
مراقبة سد النهضة باستخدام تقنيات الفضاء
تعتمد التقنية الجديدة على برنامج ذكي للرصد الآلي لمساحات ومستويات المياه السطحية، ويعمل على منصة “غوغل إيرث إنجين” (Google Earth Engine). تتيح هذه المنصة معالجة كميات كبيرة من البيانات بشكل تلقائي، مما يجعل المراقبة سريعة ودقيقة ومجانية. يستخدم البرنامج بيانات من عدة أقمار صناعية مختلفة، لكل منها ميزات فريدة.
ويقول الدكتور مسعود: “لكل قمر من هذه الأقمار ميزة، ووظيفة البرنامج أنه يستفيد من المزايا ويتجنب العيوب، لإجراء معالجة شاملة للصور لإعطاء بيانات دقيقة تماثل الواقع على الأرض”. تشمل الأقمار الصناعية المستخدمة قمر “سنتينل 2″ و”لاندسات 8 و9” التابعين لوكالة الفضاء الأوروبية والأمريكية على التوالي، اللذين يوفران صورًا بصرية للأرض. بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام القمر الأوروبي “سنتينل 1 إيه” الذي يوفر صورًا رادارية، وقمر “آلوس” الياباني الذي يوفر “نموذج الارتفاعات الرقمية”.
كيف تعمل التقنية؟
تبدأ العملية بإزالة الغيوم والظلال من الصور البصرية وتصحيح التشويش في الصور الرادارية. بعد ذلك، يحدد البرنامج مناطق المياه واليابسة باستخدام مؤشرات مختلفة، مثل “مؤشر الفرق المعياري للمياه” و”مؤشر الفرق المعياري للغطاء النباتي”. تساعد الصور الرادارية في تحديد المياه حتى في الأيام الغائمة، حيث تعتمد على قياس انعكاس موجات الرادار من سطح الأرض. يستخدم “نموذج الارتفاعات الرقمية” لإنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد لارتفاعات الأرض، مما يسمح بحساب ارتفاع المياه وكميتها بدقة.
يجمع البرنامج بعد ذلك الخرائط الناتجة من المصادر المختلفة في خريطة واحدة، مع إعطاء الأولوية للصور الأكثر وضوحًا. ثم يقارن البرنامج حدود المياه بالنموذج الرقمي للارتفاعات لحساب كمية المياه المخزنة. تتيح هذه العملية متابعة التغيرات في مستويات المياه بشكل يومي أو أسبوعي.
أهمية المراقبة المستمرة للموارد المائية
تمكن الدكتور مسعود من استخدام هذه التقنية لمراقبة خمس مراحل ملء لسد النهضة، وحساب كمية المياه المخزنة في كل مرحلة. أظهرت النتائج توافقًا كبيرًا مع بيانات الأقمار الصناعية المتخصصة في مراقبة السدود والبحيرات، مما يؤكد دقة البيانات التي يوفرها البرنامج المجاني. تعتبر هذه المراقبة الدقيقة والمستمرة ضرورية لضمان إدارة الموارد المائية بشكل فعال.
تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية وتوفير معلومات موثوقة لجميع الأطراف المعنية بقضية سد النهضة. كما أنها توضح كيف يمكن للبحث العلمي أن يلعب دورًا حاسمًا في حل المشكلات المتعلقة بالمياه. تعتبر الموارد المائية قضية حساسة في المنطقة، وتتطلب تعاونًا وتبادلًا للمعلومات بين جميع الدول المتشاطئة.
من المتوقع أن تستمر الدراسة في تطوير وتحسين هذه التقنية، وتوسيع نطاق استخدامها ليشمل سدودًا أخرى في المنطقة. سيساعد ذلك في تعزيز إدارة الموارد المائية وتحقيق التنمية المستدامة. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان التزام جميع الأطراف بتبادل المعلومات والتعاون في إدارة هذه الموارد الحيوية. ستكون المفاوضات المستقبلية حول سد النهضة حاسمة في تحديد كيفية تطبيق هذه التقنيات الجديدة وضمان التوزيع العادل للمياه.



