تمكن علماء الفلك من رصد دليل مباشر على وجود نجم مرافق خفي يدور حول نجم يد الجوزاء، أحد ألمع النجوم في سماء الليل. هذه الاكتشافات، التي اعتمدت على بيانات من تلسكوب هابل الفضائي ومراصد أرضية، تؤكد فرضية كانت موضع جدل علمي لسنوات. يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة لفهم تطور النجوم العملاقة قبل انفجارها.

باستخدام أرصاد جديدة من هابل، بالإضافة إلى بيانات من مراصد في أريزونا وجزر الكناري، اكتشف الباحثون ما يشبه “أثر استيقاظ” أو “ذيل غازي” يتركه النجم المرافق أثناء حركته داخل الغلاف الجوي الخارجي ليد الجوزاء. يشبه هذا المشهد قاربًا يشق طريقه عبر الماء، تاركًا تموجات واضحة خلفه.

اكتشاف النجم المرافق ليد الجوزاء: تفاصيل جديدة

تؤكد هذه الملاحظات وجود النجم المرافق، الذي أُطلق عليه اسم “سيوارها”، بعد سنوات من النقاش. النتائج عُرضت في اجتماع الجمعية الفلكية الأميركية ونُشرت في “مجلة الفيزياء الفلكية”. يُعتقد أن هذا النجم المرافق يؤثر بشكل كبير على سلوك يد الجوزاء.

تقول الباحثة الرئيسية أندريا دوبري من مركز الفيزياء الفلكية بجامعة هارفارد: “للمرة الأولى، نرى دليلًا مباشرًا على أن نجمًا مرافقًا يغير مظهر وسلوك يد الجوزاء. هذا يساعدنا على فهم كيفية تطور النجوم العملاقة قبل نهايتها العنيفة.”

تصور فني للنجم العملاق الأحمر يد الجوزاء ونجم مرافق يدور حوله باتجاه عقارب الساعة مولّدا ذيلا كثيفا من الغاز (ناسا)

كيف تم الكشف عن الأثر الخفي؟

يدور النجم المرافق على مسافة قريبة جدًا من سطح يد الجوزاء -حوالي أربعة أضعاف المسافة بين الأرض والشمس- لدرجة أنه يمر فعليًا داخل غلافه الجوي الخارجي. أثناء دورته التي تستغرق حوالي ست سنوات، يصبح هذا الأثر الغازي مرئيًا عندما يعبر النجم المرافق بين يد الجوزاء والأرض.

يتميز هذا “الذيل” بكثافة أعلى من الغاز المحيط، مما يترك بصمة واضحة في طيف الضوء الصادر عن عناصر الغلاف الجوي للنجم العملاق. وقد لاحظ العلماء تغيرات منتظمة في الضوء تؤكد مرور النجم المرافق وخلْفه أثره الغازي. هذه الملاحظات الطيفية هي التي قدمت الدليل الحاسم.

وتصف دوبري الظاهرة قائلة: “إنه أشبه بقارب يتحرك داخل الماء، فالنجم المرافق يصنع تموجات في غلاف يد الجوزاء، ويمكننا تتبع هذه التموجات مباشرة في البيانات الطيفية.”

يد الجوزاء: نجم ملكي متقلّب

يقع نجم يد الجوزاء في كوكبة الجوزاء (أو الجبار)، وهو من أسهل النجوم تمييزًا بالعين المجردة بلونه الأحمر البرتقالي وسطوعه. يبلغ قطره حوالي 700 ضعف قطر الشمس. لو وُضع مكان الشمس، للامتد سطحه إلى ما بعد مدار كوكب المشتري.

ورغم أن عمره قصير نسبيًا من الناحية الفلكية، إلا أنه في مراحله الأخيرة، ومن المتوقع أن ينهي حياته بانفجار مستعر أعظم (سوبرنوفا) في المستقبل البعيد. هذا الانفجار سيكون مرئيًا من الأرض، وسيخلق مشهدًا سماويًا مذهلاً.

لاحَظ الفلكيون منذ آلاف السنين أن سطوع يد الجوزاء غير ثابت. وقد حددوا له دورتين رئيسيتين للتغير: دورة تقارب 400 يوم، ودورة تقارب 6 سنوات. يُعتقد الآن أن النجم المرافق يلعب دورًا مهمًا في الدورة الأطول.

لغز الخفوت العظيم

في أواخر عامي 2019 و2020، صُدم علماء الفلك عندما خفت سطوع يد الجوزاء بشكل غير مسبوق، وهو ما عُرف بـ”الخفوت العظيم”. في ذروته، فقد النجم أكثر من ثلثي لمعانه.

ومع ذلك، كشفت أرصاد هابل أن السبب كان انبعاثًا عنيفًا لمادة ساخنة من سطح النجم، مما أدى إلى تكوين سحابة غبار ضخمة حجبت الضوء مؤقتًا. مع تشتت الغبار، عاد النجم إلى سطوعه الطبيعي بحلول أبريل 2020، مؤكدًا أن الحدث لم يكن إعلانًا فوريًا عن سوبرنوفا.

للاستخدام الداخلي فقط - Artist’s impression of the red supergiant star Betelgeuse. | Copyright: Credit: NASA, ESA, and E. Wheatley (STScI) |
رسم تخيلي لسبب خفوت نجم منكب الجوزاء في العام 2020 (ناسا)

هذا الحدث أعاد الاهتمام العلمي العالمي بـ نجم يد الجوزاء، وأدى إلى إعادة تحليل البيانات الأرشيفية التي مهدت الطريق لاكتشاف النجم المرافق وأثره الغازي. تُظهر هذه الدراسات أهمية المراقبة المستمرة للنجوم العملاقة لفهم سلوكها.

ما القادم؟

من المتوقع أن يصبح النجم المرافق مرئيًا بوضوح أكبر مرة أخرى في عام 2027، عندما يصل إلى أبعد نقطة له عن يد الجوزاء في مداره. يخطط العلماء لاستغلال هذه الفرصة للمراقبة بدقة أكبر من أجل فهم كيف يؤثر هذا الرفيق الصغير في مصير نجم عملاق يقترب ببطء من نهايته الكونية. ستساعد هذه الملاحظات في تحسين النماذج النظرية لتطور النجوم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version