في خطوة تصعيدية درامية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الجمعة، أنه سيوجه جميع الوكالات الفيدرالية للتوقف الفوري عن استخدام تقنيات شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي. يأتي هذا القرار وسط خلاف حاد مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي وصلت إلى طريق مسدود مع الشركة بعد انتهاء مهلة للتوصل إلى اتفاق. هذا الصراع يثير تساؤلات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في القطاع العسكري، وأخلاقيات استخدامه، ودور الشركات الخاصة في تحديد هذه المعايير.
بداية الأزمة وخلاف المبادئ
بدأ الخلاف عندما طالب البنتاغون أنثروبيك بتخفيف إرشاداتها الأخلاقية المتعلقة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، مهددًا بعواقب وخيمة إذا لم تتراجع. لكن الشركة رفضت التنازل عن مبادئها، مؤكدةً التزامها بالسلامة والأخلاق في تطوير هذه التقنيات. هذا الرفض أثار غضب الإدارة الأمريكية، التي رأت فيه محاولة لتقويض سلطتها وفرض شروط على الجيش.
موقف أنثروبيك الثابت
أكد الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، داريو أمودي، أن شركته لا تستطيع بضمير حي الامتثال لطلب البنتاغون بالوصول غير المقيد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن الشركة ترفض السماح باستخدام منتجاتها في المراقبة الجماعية أو أنظمة الأسلحة الذاتية التي تقتل دون تدخل بشري. هذا الموقف يعكس قلقًا متزايدًا في أوساط مطوري الذكاء الاصطناعي حول الاستخدامات المحتملة لتقنياتهم في الحروب والصراعات.
تدخل ترمب وتصعيد الموقف
تدخل ترمب قبل ساعة واحدة فقط من انتهاء المهلة، من خلال منشور على منصة «ثروث سوشيال»، حيث وصف موقف أنثروبيك بأنه «خطأ كارثي». وأضاف: «اليساريون المتطرفون في أنثروبيك ارتكبوا خطأ فادحًا بمحاولتهم ابتزاز وزارة الحرب، وإجبارها على الالتزام بشروطهم بدلًا من دستورنا». هذا التصريح الناري زاد من حدة التوتر، وأشعل فتيل الأزمة.
وبعد انتهاء المهلة بقليل، أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث أنه يوجه وزارته لتصنيف أنثروبيك كـ«خطر على سلسلة التوريد الوطنية»، معتبرًا أن موقفها غير متوافق أساسًا مع المبادئ الأمريكية. هذا التصنيف، الذي يُستخدم عادةً ضد الخصوم الأجانب، قد يهدد شراكات الشركة مع الشركات الأخرى.
ردود الفعل وتداعيات القرار
أثارت هذه الخطوة ردود فعل متباينة في وادي السيليكون. فقد حظيت أنثروبيك بدعم من منافسيها الأشداء، حيث أعرب كبار التنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي عن تأييدهم علنًا. الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي، سام ألتمان، أشار إلى أن شركته تشارك نفس الخطوط الحمراء مثل أنثروبيك. كما وقع نحو 500 موظف من أوبن إيه آي وقوقل على رسالة مفتوحة تعبر عن دعمهم لأنثروبيك.
تأثير على العقود الحكومية
تبعًا لتصعيد البنتاغون، أعلنت إدارة الخدمات الحكومية العامة إنهاء عقودها مع أنثروبيك. ومع ذلك، أشار هيغسيث إلى أن البنتاغون سيستمر في استخدام خدمات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لفترة انتقالية لا تتجاوز ستة أشهر. هذا يشير إلى أن البنتاغون يدرك أهمية تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكنه يسعى إلى إيجاد حلول تضمن توافقها مع مبادئه وقيمه.
إمكانية التوصل إلى اتفاق
ورغم قوة الضغط الحكومي، لا يزال من الممكن التوصل إلى اتفاق بين أنثروبيك والبنتاغون، أو أن تأخذ شركات ذكاء اصطناعي أخرى مكان عقودها. الخلاف الأساسي يدور حول حواجز السلامة والقيود المفروضة على استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة الجماعية والأسلحة الذاتية.
مستقبل التعاون بين القطاعين العام والخاص
هذه الأزمة تسلط الضوء على التحديات التي تواجه التعاون بين القطاعين العام والخاص في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. من الواضح أن هناك حاجة إلى حوار مفتوح وصريح حول أخلاقيات استخدام هذه التقنيات، وتحديد معايير واضحة تضمن حماية القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أن هناك حاجة إلى إيجاد حلول توازن بين متطلبات الأمن القومي وحرية الابتكار.
الخلاصة
إن قرار الرئيس ترمب بتعليق عقود أنثروبيك مع الوكالات الفيدرالية يمثل تصعيدًا دراميًا في الخلاف حول استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العسكري. هذه الأزمة تثير تساؤلات مهمة حول أخلاقيات هذه التقنيات، ودور الشركات الخاصة في تحديد هذه المعايير، ومستقبل التعاون بين القطاعين العام والخاص. من المرجح أن يكون لهذا الصراع تداعيات بعيدة المدى على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المستقبل، وعلى العلاقة بين الحكومة وشركات التكنولوجيا. من الضروري متابعة هذا التطور عن كثب، والمشاركة في الحوار حول مستقبل هذه التقنيات الهامة.



