لم تعد آلام الظهر والرقبة حكرا على كبار السن أو أصحاب المهن الشاقة، بل باتت شكوى شائعة بين فئات عمرية شابة. وبينما يرجع كثيرون هذه الآلام إلى الجلوس الطويل أو قلة الحركة، يغيب عن النقاش عامل يومي ملازم للجسد وهو الملابس والإكسسوارات. فهل يمكن لما نرتديه بدافع الأناقة أو العادة أن يتحول إلى عبء على العمود الفقري؟ هذا ما سنستكشفه في هذا المقال، مع التركيز على تأثير الملابس على صحة الظهر والرقبة.

تأثير الملابس على صحة الظهر والرقبة: ما الذي يجب أن نعرفه؟

يرى أطباء مختصون في اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي أن وضعية الجسم لا تتأثر فقط بطريقة الجلوس أو النوم، بل كذلك بما يلبس لساعات طويلة يوميا. فالملابس والإكسسوارات ليست مجرد تعبير عن الذوق، بل يمكن أن تكون سببا مباشرا في آلام مزمنة. وتشير مايو كلينك (Mayo Clinic)، إحدى أبرز المؤسسات الطبية الأكاديمية في الولايات المتحدة، إلى أن الإجهاد العضلي ووضعيات الجسم غير الطبيعية تعد من الأسباب الشائعة لآلام الظهر المزمنة، حتى لدى من لا يعانون أمراضا هيكلية واضحة.

الملابس الضيقة والقيود الحركية

الملابس الضيقة جدا تقيد حركة المفاصل والعضلات، ما يدفع الجسم إلى اعتماد وضعيات تعويضية غير مريحة. تؤكد مايو كلينك أن الأقمشة الثقيلة أو غير المرنة تزيد من الضغط على الكتفين وأسفل الظهر، خاصة أثناء المشي أو الحركة لفترات طويلة. هذه القيود الحركية تؤثر بشكل سلبي على العضلات الداعمة للعمود الفقري، مما يزيد من خطر الإصابة بآلام الظهر. لذا، اختيار ملابس فضفاضة ومريحة يساهم في الحفاظ على حرية الحركة ويقلل من الضغط على العمود الفقري.

الحقائب الثقيلة: عبء خفي على صحة الظهر

من أكثر الممارسات شيوعا في الحياة الحضرية حمل الحقائب الثقيلة، سواء كانت حقائب يد كبيرة أم حقائب عمل، وغالبا على كتف واحدة. هذه العادة قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على صحة الظهر والرقبة.

تأثير الوزن غير المتوازن

الدكتور مونتر ساباريني، جراح الأعصاب لدى عيادة ابن سينا في برلين، يوضح أن الحمل غير المتوازن يجبر الجزء العلوي من الجسم على الميلان لاشعوريا، ما يؤدي إلى انحناء الكتفين وفقدان العمود الفقري استقامته الطبيعية. وتدعم ذلك دراسات علمية منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (National Library of Medicine – NIH)، والتي أظهرت أن الحمل الذي يتجاوز 10 إلى 15% من وزن الجسم يرتبط بزيادة آلام الظهر واختلال التوازن العضلي. هذا التأثير ليس حكرا على البالغين، بل يمتد ليشمل الأطفال واليافعين.

الأحذية: عامل مهم في الحفاظ على استقامة الظهر

لا تقل الأحذية تأثيرا عن الملابس في تشكيل وضعية الجسم. فبحسب تقارير طبية أوردها موقع سباين هيلث (Spine-Health) المتخصص في صحة العمود الفقري، فإن الأحذية ذات الكعب العالي تغير مركز ثقل الجسم، وتدفع الحوض إلى الأمام، ما يؤدي إلى زيادة التقوس القطني في أسفل الظهر.

الأحذية المناسبة لصحة العمود الفقري

في المقابل، فإن الأحذية المسطحة جدا، التي تفتقر إلى التبطين والدعم الكافي، تنقل الصدمات الناتجة عن المشي مباشرة إلى العمود الفقري، خاصة على الأسطح الصلبة. لذا، يوصي أطباء العمود الفقري بارتداء الأحذية الرياضية ذات النعال المرنة والتبطين الجيد، والتي تساعد في امتصاص الصدمات وتعزيز الحركة الطبيعية للقدم، مما يخفف العبء عن الفقرات. كما ينصحون بتنويع الأحذية وعدم الاعتماد على نوع واحد يوميا، لتجنب تكيف الجسم مع نمط ضغط واحد قد يخل بتوازنه العضلي.

الملابس والإكسسوارات: وعي صحي في زمن الموضة

في زمن الموضة السريعة، تفرض اتجاهات اللباس بوتيرة متسارعة ويصبح الجسد في كثير من الأحيان آخر ما يؤخذ بعين الاعتبار. يؤكد خبراء الصحة أن اختيار الملابس والأحذية يجب أن يكون قرارا صحيا بقدر ما هو جمالي. فالجسد ليس منصة عرض، والعمود الفقري ليس عنصرا ثانويا في معادلة الأناقة.

الموازنة بين المظهر والراحة

وبينما لا يدعو الأطباء إلى التخلي عن الذوق أو التعبير الشخصي، فإنهم يشددون على أهمية الموازنة بين المظهر والراحة. فالألم حين يظهر غالبا ما يكون نتيجة تراكمات يومية صامتة، تبدأ من الخزانة. لذا، يجب أن نكون واعين بتأثير ملابسنا وإكسسواراتنا على صحة الظهر والرقبة، وأن نختار ما يوفر لنا الراحة والدعم اللازمين للحفاظ على استقامة العمود الفقري وتجنب الآلام المزمنة. الاهتمام بـ صحة الظهر يبدأ من اختيار الملابس المناسبة. تذكر أن آلام الظهر ليست حتمية، ويمكن الوقاية منها باتباع عادات صحية بسيطة، بما في ذلك اختيار الملابس والأحذية بعناية. الوعي بـ تأثير الملابس على الجسم هو الخطوة الأولى نحو حياة صحية ومريحة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version