التقدم في العمر لا يقتصر على مجرد إضافة سنة إلى تاريخ الميلاد، بل هو عملية بيولوجية معقدة تتجلى آثارها بشكل مختلف لدى كل شخص. فبينما يحافظ البعض على نشاطهم وحيويتهم مع مرور الوقت، يواجه آخرون تحديات صحية وبدنية في سن مبكرة نسبيًا. هذا التباين أدى إلى ظهور مفهوم العمر البيولوجي، وهو مقياس أكثر دقة يعكس الحالة الصحية الفعلية للجسم، بعيدًا عن الاعتماد على العمر الزمني وحده. فهم العمر البيولوجي يساعدنا على تقييم صحتنا بشكل أفضل واتخاذ خطوات استباقية للحفاظ على جودة الحياة.
ما هو العمر البيولوجي ولماذا هو مهم؟
العمر البيولوجي هو انعكاس لكيفية عمل أعضائك وأنسجتك وخلاياك، وهو يتأثر بعوامل متعددة مثل نمط الحياة، والتغذية، والنشاط البدني، والوراثة، والتعرض للضغوطات البيئية. بمعنى آخر، هو مدى “صحة” جسمك مقارنة بعمرك التقويمي.
أهمية فهم العمر البيولوجي تكمن في أنه يمكن أن يختلف بشكل كبير عن العمر الزمني. فقد يكون لديك عمر زمني 50 عامًا، ولكن عمرك البيولوجي 40 عامًا إذا كنت تتمتع بصحة جيدة ونمط حياة صحي. وبالمثل، قد يكون عمرك الزمني 40 عامًا، ولكن عمرك البيولوجي 55 عامًا إذا كنت تعاني من عوامل خطر صحية متعددة.
اختبارات بسيطة لتقييم العمر البيولوجي
لحسن الحظ، هناك مجموعة من الاختبارات البسيطة والسهلة التطبيق التي يمكن أن تساعد في تقييم العمر البيولوجي وتقديم نظرة ثاقبة حول صحة الجسم وقدرته على التكيف مع التغيرات المرتبطة بالتقدم في السن. تعتمد هذه الاختبارات على قياس مؤشرات أساسية مثل اللياقة البدنية، والتوازن، والقوة العضلية.
اختبار سرعة المشي
يُعتبر اختبار سرعة المشي من أكثر المؤشرات موثوقية لتقييم الصحة العامة والقدرة على الاستقلالية. يقوم هذا الاختبار على قياس الوقت الذي يستغرقه الشخص لقطع مسافة 10 أمتار بوتيرة مريحة، ثم حساب سرعة المشي بقسمة المسافة على الزمن.
تشير السرعات الأعلى إلى كفاءة أفضل للقلب والجهاز العصبي والعضلات، وقدرة أكبر على مواجهة تحديات التقدم في العمر. بينما ترتبط السرعات البطيئة بزيادة خطر التدهور الوظيفي والإعاقة. أظهرت دراسة حديثة أجرتها جامعة ليستر البريطانية في عام 2022 وجود علاقة قوية بين سرعة المشي ومؤشرات الشيخوخة البيولوجية وصحة القلب والأوعية الدموية.
اختبار الجلوس والوقوف
يقيس هذا الاختبار قوة الجزء السفلي من الجسم وكفاءة التنسيق بين العضلات والجهاز العصبي، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على القدرة على القيام بالأنشطة اليومية بشكل مستقل. يتضمن الاختبار الجلوس ثم النهوض عدة مرات متتالية دون استخدام الذراعين، مع تسجيل الوقت المستغرق أو عدد التكرارات المنجزة.
الأداء الجيد يعكس قوة وكفاءة العضلات المسؤولة عن الحركة والتوازن. بينما يشير الأداء الضعيف إلى تراجع هذه القوة وزيادة خطر السقوط. لذلك، يُنصح بالتدخل المبكر من خلال برامج تقوية العضلات المنتظمة والموجهة للحد من هذا التدهور.
قياس قوة القبضة
يُعد اختبار قوة القبضة مقياسًا بسيطًا ولكنه ذو دلالة كبيرة على القوة العامة للجسم والحالة الصحية الشاملة. لا يقتصر دوره على تقييم القدرة على الإمساك بالأشياء، بل يعكس أيضًا كفاءة الكتلة العضلية ووظائف الجسم الحيوية.
يتم إجراء الاختبار باستخدام جهاز بسيط يسمى “الدينامومتر”، ويمكن تنفيذه بسهولة في المنزل. يتم تكرار القياس لكلتا اليدين ومقارنة النتائج بالمعدلات الطبيعية وفقًا للفئة العمرية. أكدت دراسة واسعة النطاق نُشرت في مجلة “ذا لانسيت” الطبية عام 2015 أن ضعف قوة القبضة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالأمراض المزمنة وارتفاع معدلات الوفيات.
اختبار التوازن على ساق واحدة
يُعتبر اختبار الوقوف على ساق واحدة مؤشرًا فعالًا لتقييم التوازن والاستقرار البدني، وهما عنصران أساسيان للحد من مخاطر السقوط التي تزداد مع التقدم في العمر. يتضمن الاختبار الوقوف على ساق واحدة وتسجيل المدة التي يستطيع الشخص خلالها الحفاظ على التوازن دون لمس القدم الأخرى للأرض أو استخدام أي دعم. يمكن زيادة مستوى الصعوبة بإغلاق العينين لقياس الاعتماد على التوازن الداخلي.
اختبار أقصى اللياقة القلبية التنفسية
يقيس هذا الاختبار الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين، وهو مؤشر أساسي على صحة القلب والرئتين ومستوى اللياقة القلبية التنفسية وقدرة الجسم على التحمل. يعكس هذا القياس مدى كفاءة الجسم في استخدام الأكسجين أثناء التمارين المكثفة.
عادةً ما يتم إجراء القياس الدقيق في مختبرات متخصصة باستخدام أجهزة متقدمة. ومع ذلك، فإن انتشار الأجهزة القابلة للارتداء، مثل الساعات الذكية، يوفر إمكانية الحصول على تقديرات تقريبية تساعد على متابعة اللياقة بشكل منتظم. كما يوفر اختبار المشي لمدة ست دقائق مؤشرًا غير مباشر على هذا النوع من اللياقة.
ماذا تعني نتائج هذه الاختبارات؟
من المهم التأكيد على أن هذه الاختبارات ليست أدوات تشخيصية للأمراض، بل هي وسائل فحص تساعد على تقييم ما إذا كان الجسم يتقدم في العمر بطريقة صحية ومتوازنة. توفر هذه الاختبارات صورة عامة عن الحالة البدنية والوظيفية، ويمكن الاستفادة من نتائجها كنقطة انطلاق لتحسين نمط الحياة.
يمكن تحسين نمط الحياة من خلال زيادة مستوى النشاط البدني، وتقوية العضلات، والتركيز على التمارين القلبية، بالإضافة إلى تبني عادات غذائية صحية تدعم الشيخوخة السليمة وتحافظ على الاستقلالية لأطول فترة ممكنة. فالهدف ليس فقط إطالة العمر، بل أيضًا تحسين جودة الحياة خلال هذه السنوات. فهم العمر البيولوجي هو الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف.
صورة 1: شخص مسن يمارس الرياضة باستخدام الدمبلز
صورة 3: زوجان مسنان يمارسان الرياضة في المنزل
صورة 4: زوجان مسنان يمارسان الرياضة في الخارج
صورة 5: كبار السن يركضون على الشاطئ
اسم الكاتب: محمد عبد العظيم
حساب الكاتب على الجزيرة: https://www.ajnet.me/author/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B8%D9%8A%D9%85


