يشهد نادي الاتفاق تحولاً لافتاً في الموسم الحالي من دوري روشن السعودي، ليس فقط على صعيد النتائج الإيجابية والمستويات الفنية المتقدمة، بل في الروح القتالية التي بثها المدرب الوطني سعد الشهري في عروق الفريق. بعد سنوات من الركود والتذبذب، ظهر “فارس الدهناء” بثوب جديد، مقدماً أداءً يجمع بين الانضباط التكتيكي والشغف، ليثبت أنه فريق “حي” قادر على مجاراة كبار أندية الصندوق والفوز عليهم، وذلك رغم أن الإمكانيات المادية الحالية قد لا تضاهي تلك التي توفرت في حقبة المدرب السابق ستيفن جيرارد. هذا التحول اللافت للنظر يجعل سعد الشهري والاتفاق حديث الموسم، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الكرة السعودية والاعتماد على المدربين الوطنيين.
خلفية تاريخية وتحديات الاتفاق قبل حقبة الشهري
مر نادي الاتفاق، أحد أعرق الأندية السعودية، بفترة انتقالية شهدت استثمارات ضخمة وتوقعات عالية مع بداية مشروع الخصخصة. تمثلت ذروة هذه المرحلة في التعاقد مع أسطورة ليفربول ستيفن جيرارد ونجوم عالميين مثل جوردان هندرسون وجورجينيو فينالدوم. ورغم البريق الإعلامي، كانت النتائج على أرض الملعب متذبذبة، وعانى الفريق من غياب الهوية التكتيكية الواضحة.
كانت هناك فجوة واضحة بين الطموحات والإمكانيات الفعلية، مما أثر على معنويات اللاعبين والجماهير. مع رحيل جيرارد، وجد النادي نفسه أمام تحدٍ جديد: إيجاد مدرب قادر على استعادة الثقة وبناء فريق متماسك. هنا، جاء تعيين سعد الشهري، الذي واجه في البداية بعض التشكيك من قِبل شريحة من الجمهور، لكنه سرعان ما أثبت أنه الرجل المناسب للمرحلة، مستنداً إلى خبرته العريضة في تدريب المنتخبات السعودية وفهمه العميق لعقلية اللاعب المحلي.
بصمة سعد الشهري الفنية والنفسية في قيادة الاتفاق
لم يقتصر تأثير سعد الشهري على الجانب الفني فحسب، بل امتد ليغير “جلد الفريق” على المستوى الذهني والبدني. نجح الشهري في خلق منظومة لعب متجانسة ورفع منسوب الدافعية والقتالية لدى اللاعبين داخل الملعب، وهو العامل الأهم لفريق يمتلك عناصر مميزة. لقد ركز على بناء فريق يعتمد على الروح الجماعية والانضباط التكتيكي، بدلاً من الاعتماد على النجومية الفردية.
إعادة اكتشاف النجوم وتطوير المواهب المحلية
أعاد الشهري اكتشاف بعض النجوم الذين خفت بريقهم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك النجم الهولندي جورجينيو فينالدوم، الذي استعاد الكثير من مستواه المعروف كقيمة فنية عالية، وبات يقدم أداءً مؤثراً أمام الفرق الكبيرة، بفارق شاسع عن موسمه الأول.
وعلى الصعيد المحلي، يعتبر خالد الغنام قصة نجاح ملهمة، حيث أعاد الشهري صياغة موهبته ليصبح هداف السعوديين في دوري روشن برصيد سبعة أهداف، وهو ما يؤكد قدرة المدرب الوطني على تطوير المواهب المحلية إذا ما مُنح الثقة الكاملة. هذا النجاح يعكس رؤية الشهري في الاستثمار في اللاعبين المحليين ومنحهم الفرصة لإثبات قدراتهم.
سعد الشهري والاتفاق: نموذج للنجاح في دوري روشن
إن نجاح تجربة سعد الشهري مع الاتفاق يحمل أهمية تتجاوز أسوار النادي، فهي تمثل انتصاراً للمدرب السعودي في دوري أصبح يعج بالأسماء التدريبية العالمية الكبرى. هذا النجاح يعزز الثقة في الكفاءات الوطنية ويقدم نموذجاً على أن الانسجام التكتيكي والروح الجماعية قد يتفوقان أحياناً على الإنفاق المادي البحت.
بالإضافة إلى ذلك، يظهر هذا النجاح أن الاستثمار في المدربين الوطنيين يمكن أن يحقق نتائج إيجابية على المدى الطويل، خاصةً إذا ما توفرت لهم الدعم الكامل والثقة. هذا النموذج يمكن أن يكون ملهمًا للأندية الأخرى في الدوري السعودي، ويشجعها على إعطاء الفرصة للمدربين المحليين.
الأهمية والتأثير المستقبلي لنجاح الاتفاق
اليوم، يسير الاتفاق في الطريق الصحيح، والمطلوب الآن هو التفاف جميع محبي النادي حول فريقهم، وخلق حالة إيجابية في المدرجات تعيد لها وهجها وحماسها، لدعم مسيرة الفريق نحو تحقيق طموحاته والمنافسة على المراكز المتقدمة. إن دعم الجماهير يلعب دوراً حاسماً في نجاح الفريق، ويمكن أن يكون دافعاً إضافياً للاعبين لتقديم أفضل ما لديهم.
إن قصة الاتفاق في دوري روشن مع سعد الشهري ليست مجرد قصة فريق كرة قدم، بل هي قصة إصرار وعزيمة وإيمان بالقدرات الوطنية. إنها قصة تثبت أن النجاح لا يعتمد فقط على الأموال والنجوم، بل على العمل الجاد والتخطيط السليم والروح القتالية. هذا النجاح يبعث الأمل في مستقبل مشرق للكرة السعودية، ويؤكد أن الكفاءات الوطنية قادرة على تحقيق الإنجازات والتنافس على أعلى المستويات. كما أن هذا التحول في أداء الاتفاق يجعله منافساً قوياً على لقب الدوري، ويضيف إثارة وتشويقاً للمسابقة.


