يمرّ بنا جميعًا، في لحظاتٍ ما من حياتنا، شعورٌ غامض بالضياع، وكأننا عالقون في منطقةٍ وسطاء، لا نملك القدرة على اتخاذ قرار حاسم، ولا نجد الراحة في التوقف. هذا الشعور، الذي يمكن وصفه بـ “لعنة الوسط”، هو موضوع مقالنا هذا، حيث نستكشف أبعاده الفلسفية والنفسية والدينية، وكيف يمكن تحويله من عائق إلى فرصة للنمو واليقين.
ما هي لعنة الوسط؟ تعريف وتجليات
لعنة الوسط ليست مجرد تردد في الاختيار بين خيارين، بل هي حالة وجودية أعمق، تشعر فيها بأنك معلق بين ما تريده وما تخشى، بين الطموح والواقع، بين الإيمان والشك. إنها حيرة لا تُفرض فجأة، بل تتسلل إليك بهدوء، كحبل يلتف حول الرقبة، يخنّق الشغف ويشلّ الحركة. العيش في هذا الوسط يعني أنك لا تستمتع بالفرح بشكل كامل، ولا تتقبل الحزن كجزء طبيعي من الحياة. يصبح الحلم هشًا، غير قادر على التحليق أو الاستسلام.
تشعر أنك تسير على حبل مشدود، وأي خطوة خاطئة قد تؤدي إلى السقوط في فراغ لا قاع له. هذا الشعور يستهلك طاقتك ويجعلك تفقد الإحساس بالزمن، كشمعة تحترق ببطء، لا يُراد لها أن تنطفئ ولا أن تضيء.
الجانب النفسي: القلق والتردد
تؤكد الدراسات النفسية أن التردد المستمر وعدم القدرة على اتخاذ القرارات يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بزيادة مستويات القلق والاكتئاب. فالعقل المشغول بتحليل الخيارات وتقييم المخاطر لا يجد مساحة للسلام الداخلي. هذه الحالة يمكن تشخيصها كشكل من أشكال القلق الوجودي، وهو شعور عميق بالقلق بشأن معنى الحياة ومصيرها.
الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، في كتابه “الإنسان يبحث عن معنى”، يرى أن الفراغ الداخلي، وعدم وجود هدف واضح في الحياة، هو أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان. فالألم، وإن كان قاسيًا، يمكن تحمله، أما الفراغ فهو يلتهم الروح ببطء. كما أن العيش في حالة من عدم اليقين المستمر يؤثر سلبًا على الصحة النفسية والجسدية، ويقلل من قدرتك على الاستمتاع بالحياة.
تأثير التردد على العلاقات الشخصية
لا يقتصر تأثير التردد على الجانب الداخلي للفرد، بل يمتد ليشمل علاقاته مع الآخرين. فالشخص المتردد غالبًا ما يفتقر إلى الحزم والثقة بالنفس، مما قد يؤدي إلى استغلاله من قبل الآخرين. كما أن عدم قدرته على التعبير عن احتياجاته ورغباته بوضوح يمكن أن يسبب سوء الفهم والإحباط في العلاقات.
رؤى فلسفية حول الحيرة والوسط
الفلاسفة القدامى والمعاصرون تناولوا هذه المعضلة الإنسانية من زوايا مختلفة. سقراط، على سبيل المثال، يقول: “الحياة غير الممحصة لا تستحق أن تعاش”، مشيرًا إلى أن الحيرة والتساؤل هما بداية الطريق إلى الحكمة والمعرفة.
أما نيتشه، فقد رأى أن أعظم العذابات تكمن في البقاء عالقًا في منطقة رمادية، لأن الوجود لا يحتمل الفراغ الطويل. فيما اعتبر كيركغارد، فيلسوف القلق والاختيار، أن الإنسان “مُدان بالحيرة”، وأن الخلاص لا يتحقق إلا بالقفز إلى الإيمان، أي باتخاذ قرار حاسم والتزام به.
هذه الأقوال ليست مجرد تأملات نظرية، بل هي تعبير صادق عن تجربتنا الإنسانية المشتركة. فنحن جميعًا نمر بلحظات نشعر فيها بأننا أسرى حالة الوسط، بلا هوية ولا هدف واضح.
منظور ديني: اختبار ورحمة مستترة
لا ينظر الدين إلى الحيرة على أنها مجرد لعنة، بل يعتبرها اختبارًا من الله، يحمل في طياته رحمة مستترة. القرآن الكريم يذكرنا بقوله تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم” [البقرة: 216]، ليلفت انتباهنا إلى أن ما نراه فراغًا أو ضياعًا قد يكون في الواقع بابًا إلى خير لا ندركه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يدعونا إلى “استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك”، مؤكدًا بذلك أهمية الرجوع إلى البصيرة الداخلية التي وهبنا الله إياها. فاليقين الحقيقي لا يُطلب خارج النفس، بل يُستنبَط من القلب بالإيمان والتوكل على الله.
كيف نخرج من لعنة الوسط؟
الخروج من الحيرة والارتقاء فوق لعنة الوسط يتطلب شجاعة وصبرًا وجهدًا مستمرًا. إليك بعض الخطوات التي يمكن أن تساعدك في ذلك:
- تقبل الحيرة: اعترف بأن الحيرة هي جزء طبيعي من الحياة، وأنها ليست دليلًا على ضعفك أو فشلك.
- حدد قيمك: ما هي الأشياء الأكثر أهمية بالنسبة لك في الحياة؟ عندما تعرف قيمك، يصبح من الأسهل اتخاذ القرارات التي تتوافق معها.
- اتخذ قرارًا: مهما كان الخيار الذي تختاره، المهم هو أن تتخذ قرارًا وتبدأ في العمل لتحقيق هدفك.
- ثق بنفسك: آمن بقدراتك وإمكاناتك، ولا تدع الخوف أو الشك يسيطر عليك.
- اطلب العون: لا تتردد في طلب المساعدة من الأصدقاء أو العائلة أو المستشارين النفسيين.
إن الخروج من دائرة التردد والعيش بحزم وثقة بالنفس هو مفتاح السعادة والنجاح في الحياة. تذكر أن كل قرار تتخذه، سواء كان صحيحًا أو خاطئًا، هو فرصة للتعلم والنمو والتطور. ولا تنسَ أن اليقين ليس محطة في آخر الطريق، بل هو حقيقة تُزرع في القلب وتنمو مع الإيمان والتوكل على الله.


