يشهد شمال شرق سوريا، وتحديداً مدينة كوباني (عين العرب)، وضعاً إنسانياً مأساوياً نتيجة للحصار المفروض عليها من قبل القوات الحكومية السورية. هذا الحصار، الذي يمتد منذ أيام، أدى إلى نزوح جماعي للسكان وتفاقم الأوضاع المعيشية، وسط مخاوف متزايدة من تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية. تتفاقم معاناة المدنيين مع انقطاع الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والإنترنت، بالإضافة إلى نقص حاد في الوقود والأدوية، كل ذلك بالتزامن مع استمرار القصف.
حصار خانق على كوباني وتداعياته الإنسانية
تصف التقارير الواردة من داخل كوباني الوضع بأنه “كارثي”. يؤكد السكان أن المدينة محاصرة بالكامل، ولا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة. يقول مسلم نبو، أحد سكان المدينة، أن المخابز مهددة بالتوقف بسبب نقص الطحين، وأن الحديث عن وقف إطلاق النار لا يعكس الواقع الميداني، حيث تستمر الصواريخ والقذائف في استهداف المنطقة بشكل مستمر. ويضيف أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية للتدخل الفوري لإنقاذ المدنيين.
أشرف محمود، وهو أيضاً من سكان عين العرب، يصف الوضع الإنساني بأنه “لا يطاق”، مشيراً إلى النقص الحاد في الحليب والأدوية والمستلزمات الطبية في المشافي، مما أدى إلى حالة من الهلع والفوضى بين السكان. ويناشد محمود الجهات الدولية بتأمين الغذاء والدواء، خاصة للأطفال الرضع والمرضى. وقد أعلن الهلال الأحمر الكردي بالفعل عن وفاة خمسة أطفال ورجل بسبب البرد الشديد ونقص التغذية.
“من أربع جهات”: طبيعة الحصار وتعقيداته
توضح روايات السكان أن كوباني محاصرة من أربع جهات، ثلاث منها تسيطر عليها فصائل تابعة للحكومة السورية، بينما تمثل الجهة الرابعة الحدود السورية–التركية المغلقة. هذا الحصار الشامل يعزل المدينة عن العالم الخارجي ويمنع وصول المساعدات الإنسانية. يرى سيف الدين قادر أن المدينة تدفع ثمن “محاربتها للإرهاب”، وأن انقطاع الخدمات الأساسية وإغلاق الطرق هو نتيجة مباشرة لهذا الوضع.
صونيا إبراهيم، وهي كردية من كوباني، تشير إلى تدفق النازحين من القرى المحيطة إلى المدينة، مما يزيد من الضغط على الموارد المحدودة. وتقول إن المدينة “لم تعد قادرة على استيعابهم”، وأن الكثير منهم يضطرون إلى الإقامة في المدارس والمحلات التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وتطالب إبراهيم العالم بالتحرك الفوري وعدم الاكتفاء بالمراقبة عن بعد.
النزوح وتصاعد المخاوف من المجازر
أكدت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 134 ألف شخص نزحوا في شمال شرق سوريا بعد المعارك الأخيرة، متجهين نحو مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. هذا النزوح الجماعي يعكس حجم المعاناة التي يعيشها السكان في المنطقة، ويزيد من المخاوف بشأن مستقبلهم.
مع تصاعد القتال، تتزايد المخاوف من ارتكاب مجازر بحق الأكراد، على غرار ما حدث في مناطق أخرى من سوريا. وقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بوقوع مجزرة في محافظة الرقة، راح ضحيتها ستة مدنيين من عائلة واحدة، بعد سؤالهم عن انتمائهم العرقي. هذه الحوادث تثير قلقاً بالغاً وتدعو إلى تحقيق فوري وشفاف.
تغيير في التحالفات: الانسحاب الأمريكي ومستقبل “قسد”
يشير المراقبون إلى أن التحول في الموقف الأمريكي قد ساهم في تفاقم الأوضاع في شمال شرق سوريا. فبعد سنوات من التحالف الوثيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أعلنت واشنطن عملياً انتهاء دورها في المنطقة، مما ترك قسد في موقف هش. هذا الانسحاب الأمريكي أدى إلى فقدان قسد لإحدى أبرز أوراقها الأمنية والسياسية، وفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ في المنطقة.
يرى البعض أن هذا الانسحاب يمثل “خيانة ثانية للأكراد”، وأنهم تُركوا مجدداً لمصيرهم. ويطالبون الولايات المتحدة بإعادة النظر في حساباتها وتقديم الدعم اللازم لحماية المدنيين.
موقف الحكومة السورية ومستقبل الحكم الذاتي
تعتبر الحكومة السورية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) “قوة انفصالية” أو “مشروعًا خارج سلطة الدولة”، وتؤكد رفضها أي كيان عسكري أو إداري لا يخضع مباشرة لدمشق. وتشدد على أن وحدة الأراضي السورية “خط أحمر”، وأن أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية “مرفوض دستوريًا”.
في المقابل، يتمسك الأكراد بفكرة الحكم الذاتي، ليس للكرد فقط، بل “لكل مكوّنات الشعب السوري”. ويرى سيف الدين قادر أن كوباني تمثل رمزاً للهوية القومية الكردية والمقاومة، وأن الأكراد لن يتخلوا عن حقهم في تقرير مصيرهم.
خلاصة: دعوة للتحرك العاجل
إن الوضع في كوباني (عين العرب) يثير قلقاً بالغاً ويتطلب تحركاً عاجلاً من قبل المجتمع الدولي. الحصار المفروض على المدينة يهدد حياة المدنيين ويؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية. من الضروري فرض وقف إطلاق نار فوري، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والتحقيق في الانتهاكات التي ترتكب بحق المدنيين. كما يجب على الأطراف المتنازعة إيجاد حل سياسي يضمن حقوق جميع المكونات السورية، ويحقق الاستقرار والأمن في المنطقة. إن مستقبل سوريا يعتمد على قدرتنا على حماية المدنيين وضمان حقوقهم.


