مشهد سوق الظهرة في طرابلس لم يعد متعلقًا فقط بتداول الدولار؛ فقد لاحظ المتسوقون أن عددًا من الصرافين تحولوا تدريجيًا لعرض وبيع قطع الذهب إلى جانب العملات الأجنبية. هذا التحول يعكس واقعًا أوسع لكيفية تعامل السوق مع تراجع نشاط الصرافة والضغوط على الدينار الليبي، وسط فجوة متصاعدة بين السعر الرسمي والموازي وغياب شفافية بيانات المالية العامة.

## سوق الظهرة: تحول النشاط من الدولار إلى الذهب
في سوق الظهرة يظهر بوضوح أن “سوق الظهرة” بات يركز على تجارة الذهب كبديل للعوائد الضعيفة من تجارة العملات. يقول تاجر يعمل في السوق منذ نحو 20 عامًا إن ركود سوق العملة مستمر منذ نحو 9 أشهر، وإن عمليات شراء الدولار تقتصر غالبًا الآن على حاجات السفر، بينما يتجه كثيرون للاحتفاظ بالذهب كملاذ للقيمة.

### أسباب التحول الميداني
التحول لا يعود فقط إلى تفضيلات المستهلكين، بل يرتبط بتقلص تدفق العملات الأجنبية إلى السوق وتراجع النشاط التجاري. بالإضافة إلى ذلك، ارتفاع فاتورة المحروقات والاعتمادات ساهم في زيادة الطلب على النقد الأجنبي مقابل محدودية المعروض الرسمي، وهو ما شجع المضاربة والاحتفاظ بالدولار والذهب على حد سواء.

## الضغوط على الدينار وفجوة سعر الصرف الموازي
وصل الدولار في السوق الموازية إلى نحو 9.27 دينار مقابل سعر رسمي يقارب 6.43 دينار، بفارق يتجاوز 44%. هذا التباين في سعر الصرف الموازي يعكس اختلالًا بين وفرة السيولة المحلية وندرة المعروض من النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.

### العوامل المؤثرة في سعر الصرف
مصرف ليبيا المركزي أعلن أن أصوله الأجنبية بلغت نحو 103 مليارات دولار بنهاية فبراير، لكن استخدامات النقد الأجنبي خلال الشهرين الأولين من 2026 تجاوزت التدفقات بنحو ملياري دولار، مما خلق ضغطًا على الاحتياطات المتاحة للسوق. في المقابل، إنفاقًا كبيرًا على المرتبات والدعم وفاتورة محروقات مرتفعة ضخ مزيدًا من السيولة المحلية التي تضغط على قيمة الدينار.

## دور مصرف ليبيا المركزي والشفافية في البيانات
تمثل مسائل الإفصاح ومتابعة الإيرادات والنفقات جانبًا حاسمًا. توقف المصرف عن نشر بيانات الإيرادات والإنفاق لستة أشهر خلق فجوة معلوماتية صعّبت على المحللين والمتعاملين تقييم الوضع. مع ذلك، المصرف أشار إلى أنه سيستأنف النشر، لكن التأخير أثر على ثقة السوق وقدرته على قراءة التطورات المالية.

### حدود أدوات السياسة النقدية
يرى خبراء أن مصرف ليبيا المركزي استخدم بعض الأدوات مثل سحب السيولة وعمليات استبدال العملة، إلا أن فاعلية هذه الأدوات محدودة نتيجة انقسام مؤسساتي، غياب ميزانية موحدة، واعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية. وبالتالي، لا يمكن تحقيق استقرار مستدام في سعر الصرف دون سياسات مالية متزنة وترشيد الإنفاق.

## آثار اقتصادية واجتماعية محلية
تراجع نشاط الصرافة وارتفاع الفجوة دفعا التجار إلى التنويع نحو الذهب ووجهات استثمارية محلية أخرى. على مستوى المواطن، ينعكس ذلك في تقييد الإنفاق على السلع غير الأساسية وتركز الاستهلاك على الحاجات الضرورية، ما يبطئ دوران العجلة الاقتصادية ويزيد من اعتماد الاقتصاد على واردات تمويلها بالدولار.

## خاتمة: كيف يمكن التقدم؟
الواقع في سوق الظهرة يعكس تحديات أكبر في إدارة النقد الأجنبي والمالية العامة. للحلول دور أساسي: توحيد الإنفاق ضمن ميزانية موحدة، ضبط فاتورة المرتبات والدعم، تعزيز الشفافية بنشر بيانات الإيرادات والنفقات بانتظام، وتطوير أدوات نقدية ومؤسسية أكثر فاعلية. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج السياسات إلى تنسيق بين الجهات المختصة لخفض الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وإعادة الثقة إلى السوق.

إذا كانت لديك أسئلة حول تأثير هذه التحولات على الأعمال الصغيرة أو على مدخرات الأفراد، شاركنا استفسارك وسنقدم تحليلًا ميدانيًا أوسع ومقترحات عملية قابلة للتطبيق.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version