في قلب غزة، حيث تتشابك خيوط الألم والأمل، وفي ظل ظروف الحرب الصعبة، بزغت مبادرة “ألوان من قلب غزة” كمنارة نور للأطفال، مانحةً إياهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم واستعادة إحساسهم بالحياة. بدعم من برنامج “رحى” الطارئ، وبالشراكة مع مؤسسة عبد المحسن القطان، تؤكد هذه المبادرة أن الفن في غزة ليس مجرد ترفيه، بل هو أداة ضرورية للنجاة النفسية والعاطفية.
ألوان من قلب غزة: نافذة أمل في زمن الحرب
تولي المبادرة اهتمامًا خاصًا بالأطفال وعائلاتهم، ساعيةً لتوفير بيئة آمنة ومحفزة من خلال ورش فنية وأنشطة إبداعية. هذه المساحات ليست مجرد أماكن للرسم والتلوين، بل هي ملاذات نفسية تساعد الأطفال على التعامل مع الصدمات واستعادة الثقة بأنفسهم. فالبرنامج يدرك تمامًا أن حماية المجتمع تبدأ بحماية أطفاله ومثقفيه، وأن كل فرصة للتعبير عن الذات هي خطوة نحو الشفاء واستعادة الحكاية الفلسطينية.
مبادرة “رحى” وعبد المحسن القطان: شراكة لتعزيز الصمود
تعتبر مبادرة “ألوان من قلب غزة” تجسيدًا حقيقيًا لشراكة ناجحة بين برنامج “رحى” الطارئ ومؤسسة عبد المحسن القطان. يهدف هذا التعاون إلى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين من الحرب، من خلال توفير الأنشطة الفنية والإبداعية التي تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم وتجاوز الصدمات. دعم الطفولة في غزة هو جوهر هذه الشراكة، إيمانًا بأن الأطفال هم مستقبل فلسطين.
تحويل الألم إلى ألوان: ورش الرسم كأداة للتعبير
على مدار أربعة أسابيع، شارك أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عامًا في ورش فنية للرسم، حيث تعلموا كيف يحولون الألم إلى ألوان، والخوف إلى مساحة آمنة للتعبير. لم تكن هذه الورش مجرد دروس في الرسم، بل كانت جلسات علاج نفسي، استخدم فيها الأطفال الألوان لرواية يومياتهم في الخيام، وتجسيد أحلامهم المؤجلة.
لوحات تحكي قصصًا: يوميات غزة بالألوان
رسم الأطفال شبكات الصيد وسمك غزة، الخيمة الباردة التي سلبت دفء قلوبهم، وزهرة الحنون التي ترمز إلى الصمود. أرادوا أن تكون الخيمة مجرد محطة انطلاق نحو بيت يحملونه معهم أينما نزحوا، وتمنوا لو أن الوطن يُطوى في لوحة. ظهرت في لوحاتهم رموز فلسطينية أصيلة مثل المفتاح، والكوفية، والعلم الفلسطيني، بالإضافة إلى عربة الحمار التي أصبحت وسيلة تنقل أساسية في ظل نقص الوقود. هذه اللوحات لم تكن مجرد رسومات، بل كانت شهادات حية على ما يعيشه الأطفال في غزة.
حياة رغم الألم: شهادات من قلب المبادرة
ريم أبو الروس، منسقة المبادرة وفنانة تشكيلية فلسطينية، تؤمن بأن اللون يمكن أن يكون مساحة نجاة، وأن اللوحة قد تتحول إلى وطن صغير حين يضيق الأفق. في حديثها، أكدت أن أعمال الطلاب عكست مزيجًا من الألوان الباردة والحارة، في ترجمة صادقة لحالتهم النفسية بين الحزن والأمل. وأضافت أن المبادرة كانت رحلة حب واكتشاف، تعلم خلالها الأطفال كيف يكون للرمز معنى، وكيف يصبح للون حياة.
أصوات صغيرة تحلم: قصص كاتيا وجوليا
داخل خيمة بسيطة تحولت إلى مرسم مؤقت، جلست كاتيا وجوليا جنبًا إلى جنب، تتقاسمان الألوان والابتسامات، وترسمان تفاصيل تشبههما: بيوتًا دافئة، وسماء واسعة، وأشجارًا لا تنكسر. بالنسبة لهما، لم يكن الرسم مجرد هواية، بل كان لغة كاملة للتعبير عن أحلامهما البسيطة في حياة آمنة، وعن جمال وسلام تتمنيان أن تراهما. والدهما، عمير الفرا، أكد أن المبادرة أعادت لهما الأمل في حياة تشبه طفولتهما، وأن الرسم كان ملاذهما الآمن حتى في أصعب الظروف.
الفن كأداة صمود: حماية الهوية الفلسطينية
لم يكن الفن كوسيلة للنجاة مجرد ترفًا في غزة، بل ضرورة إنسانية ووسيلة للدعم النفسي والتفريغ الانفعالي. لقد أعادت المبادرة للأطفال حقهم في الحلم والحياة، وذكّرتهم بأن صوتهم مهم، وأن ألمهم يمكن أن يتحول إلى لون، وأن اللون يمكن أن يصبح حياة. يرى إبراهيم الشطلي، مدير مركز القطان الثقافي، أن هذه المبادرة تجسد جوهر الدفاع عن الوعي والذاكرة، وتمنح الأطفال فرصة للتعبير عما يختلج في ذاكرتهم من خوف وأمل.
في الختام، تُظهر مبادرة “ألوان من قلب غزة” قوة الفن في مواجهة الصعاب، وأهمية توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين من الحرب. إنها شهادة على صمود الشعب الفلسطيني وإيمانه بالحياة، حتى في ظل أقسى الظروف. ندعو الجميع إلى دعم هذه المبادرات التي تساهم في حماية الهوية الثقافية الفلسطينية وتعزيز الأمل في مستقبل أفضل. يمكنكم معرفة المزيد عن برنامج “رحى” ومؤسسة عبد المحسن القطان والمساهمة في دعمهم من خلال زيارة مواقعهم الإلكترونية.



