حين تنفجر جريمة كبرى من وزن قضية “جيفري إبستين”، والتي أفرج عن نحو ثلاثة ملايين من مستنداتها السرية أخيراً، لا ينبغي أن تسمى باسم “إبستين” وحده. فهي تتجاوز المشاركين في ارتكابها، والذين يتوزعون في كل المؤسسات الغربية العلمية والسياسية والثقافية، وفي القصور الملكية الأوروبية، وقد تتجاوز ضحاياها – أيضاً – إلى ما هو أخطر. هذه القضية، التي أثارت صدمة عالمية، تدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة منظومة القيم الغربية، وهل ما كُشف هو مجرد قمة جبل الجليد، أم بداية تحول تاريخي في الأخلاق نفسها؟

فضيحة جيفري إبستين: أكثر من مجرد جريمة

تثير “فضيحة الحضارة الغربية”، كما بات يُطلق عليها، علامات استفهام كثيرة. هل ما ظهر هو الوجه الخفي لمنظومة لا أخلاقية لم يكن بسطاء الناس يرونه، أم أننا أمام تحول تاريخي غير مسبوق في الأخلاق نفسها؟ تشير “قنبلة الجرائم النووية” المسماة بـ “فضيحة جيفري إبستين” إلى مئات أو آلاف الجرائم التي ارتكبت أمام أعين الأجهزة الرقابية والقضائية لسنوات طوال. هذا يدفع بالسؤال إلى المقدمة: كيف استمرت هذه الجرائم داخل المنظومة الأخلاقية الغربية؟ وكيف يمكن أن يحدث هذا في مجتمعات تدعي الشفافية وسيادة القانون؟

المشروع الحداثي الغربي: الوعد الأخلاقي

قدّم المشروع الحداثي الغربي للعالم بوجهه الأخلاقي أولاً، ثم جاء الجانب التقني بعد ذلك. وكان في القلب من ذلك المشروع فكرة أن الإنسان هو مركز القيمة. استلهم الغرب جون لوك الذي كتب عن الحقوق الطبيعية التي تسبق السلطة، وأكد أن وظيفة الحكم هي حماية الفرد وحريته. بلور إيمانويل كانط فكرة أن الغاية هي الكرامة الإنسانية، وأن الأخلاق تنبع من واجب احترام الإنسان لكونه إنساناً. أما جون ستيوارت ميل فوضع الحرية شرطاً لازدهار الحقيقة.

من هذه الخلفية الفلسفية، رُسمت صورة وردية لمنظومة أخلاقية تعد بالشفافية، وتفاخر بسيادة القانون، وتقدم أبرز مميزاتها وهي قدرتها على تصحيح أخطائها من الداخل. لم يكن ما قدمه المفكرون الغربيون مجرد رسائل أكاديمية، بل تحول إلى ثقافة عامة في التعليم والإعلام والأدب، وفي الخطاب السياسي. ترجمت هذه الأفكار إلى شعارات من نوع “لا أحد فوق القانون” و”المؤسسات أقوى من الأفراد”، واعتُبر ذلك وعداً وأفقاً ينبغي السعي إليه.

تبخر الوعد: من الحرب العالمية إلى النيوليبرالية

بعد مرور أقل من عشرين عاماً من القرن العشرين، تبخر هذا الوعد. جاءت التحولات الكبرى في صورة حربين عالميتين، وصعود لأنظمة شمولية. ثم أطلت الحرب الباردة لتزاوج خطاب القيم مع منطق القوة. انتهت الحرب الباردة، لتهجم النيوليبرالية، ويتعاظم نفوذ المال، ويتبدل وزن الدولة أمام السوق، وتبدأ الحدود بين الأخلاقي والنافع في التآكل. هذا التحول أضعف المؤسسات الأخلاقية، وفتح الباب أمام استغلال السلطة والنفوذ.

تحالف المال والمعرفة: الكارثة الخفية

منح المشروع الغربي المعرفة سلطة أخلاقية شبه مطلقة منذ كتب فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة “المعرفة قوة”. ولم تكن “القوة” هنا سوى تلك القدرة على تنظيم العالم وتحسين شروط الحياة. لذلك اكتسبت الجامعة والمعمل ومراكز البحوث مكانة رمزية عالية، كجهات لا تنتج الحقيقة فقط، بل تمنح شرعية أخلاقية لمن يقترب منها. وكان للمال، في هذا السياق، وظيفة واحدة، وهي “الدعم”، ولم يُقدّم ذلك الدعم في الخطاب العام كأداة لاكتساب النفوذ أو السيطرة.

لم يكن وجود المال قرب المعرفة هو الكارثة، وإنما سهولة تحول “الدعم” إلى تلميع للداعم، وخاصة حين يصبح التمويل مصحوباً بلغة إنسانية راقية، وحين تغلف العلاقات بشعارات “دعم العلم” و”خدمة الإنسانية”. تكمن المعضلة في أن لغة القيم نفسها تستدعى لتجميل السلطة، وتستخدم مفردات مثل “التقدم”، “الابتكار”، “الإنسانية” كدروع رمزية. وكما كتب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن رأس المال الرمزي قادر على “تحويل القوة إلى شرعية، والهيمنة إلى قبول”.

من الصدمة إلى الشك: انهيار الثقة في السردية

لم تكن الصدمة الأولى التي أحدثتها قضية فضيحة جيفري إبستين صدمة أخلاقية خالصة، بل صدمة سردية. فالجمهور الذي تربى طويلاً على قصة جاهزة عن عالم تحكمه مؤسسات شفافة وقانون لا يميز بين الأفراد، وجد نفسه أمام وقائع لا تنسجم مع الحكاية التي يعرفها، ليسأل كل منهم نفسه: كيف لم أره؟ يعتمد الخطاب الثقافي الغربي على طمأنة الجمهور بأن الانحرافات الفردية، مهما كانت فادحة، ستصحح داخل المنظومة.

لكن حين تتكرر الوقائع التي لا تجد خاتمة مقنعة، تتحول الصدمة إلى شرخ في الثقة بالسرد نفسه. بدأ الشك حين أدرك الجمهور أن اللغة التي اعتاد سماعها، لغة الشفافية والمساءلة، لا تفسر ما يراه. هذا ما حذر منه عالم الاجتماع زيغمونت باومان، حين كتب أن الحداثة المتأخرة تنتج حالة من “اللايقين الأخلاقي”، حيث تظل القواعد قائمة، لكن الثقة في عدالتها تتآكل.

القيم في خدمة المال: أزمة الحداثة

إذن، هي لحظة التقاء بين واقع فاضح ونقد فلسفي قديم حذر من هشاشة ادعاءات الحداثة. فقبل عقود من أي فضيحة، نبه فلاسفة إلى أن المشروع الحداثي، وهو يعد بالعقلانية والتحرر، يحمل في داخله قابلية للانحراف حين تتحول القيم إلى أدوات إدارة. لم تعد فضيحة إبستين مجرد خرق لمشروع حداثي سليم، بل هي أزمة تؤكد أن ما انهار ليس الأخلاق، بل الثقة في قدرتها على الصمود حين تدار بمنطق النفوذ.

هل الحداثة هي الحل أم الأزمة؟

بعيداً عن الأسئلة القانونية والأخلاقية، يعد سؤال الحداثة وإعادة تقييمها هو واجب الوقت. فالمشروع الذي أقيم تدريجياً على فكرة النقد والتصحيح من الداخل يجد نفسه سجيناً لاختبار غير مسبوق حول اختفاء آلية التصحيح تحت ضغط ثنائية المال/النفوذ. هذه القضية تدعونا إلى إعادة النظر في منظومة القيم الغربية، والبحث عن آليات جديدة لضمان الشفافية والمساءلة، وحماية الضعفاء من الاستغلال. يجب أن نتحلى بالشجاعة لمواجهة الحقائق المرة، والعمل على بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version