في الآونة الأخيرة، تشهد السينما المصرية زخمًا ملحوظًا في الإنتاج والتنوع، مع طرح العديد من الأفلام الجديدة في دور العرض خلال فترة قصيرة. هذا الحراك الثقافي يمنح الجمهور فرصة للاستمتاع بمجموعة متنوعة من التجارب السينمائية، ويفتح الباب أمام المواهب الشابة لتأكيد وجودها. ومن بين هذه الأفلام الجديدة، يبرز فيلم “إن غاب القط” كعمل يمثل إضافة نوعية إلى أفلام السرقة المصرية، ويستحق المشاهدة والتحليل.
“إن غاب القط”: عودة قوية لسينما السرقة المصرية
يأتي فيلم “إن غاب القط” للمخرجة سارة نوح بمثابة تجربة سينمائية منعشة، حيث يغوص في عالم أفلام السرقة بأسلوب مصري أصيل. الفيلم من بطولة نخبة من الممثلين المفضلين لدى الجمهور، منهم آسر ياسين وأسماء جلال ومحمد شاهين وعلي صبحي، بالإضافة إلى مشاركات مميزة لسماح أنور وحمزة دياب. يتميز الفيلم بقدرته على تقديم قصة سرقة مشوقة دون الوقوع في فخ الاستنساخ أو التكرار.
ما هي أفلام السرقة (Heist Films)؟
قبل الخوض في تفاصيل الفيلم، من المهم أن نفهم طبيعة أفلام السرقة كنوع سينمائي. هذه الأفلام هي فرع من أنواع أفلام الجريمة والأكشن، وتعتمد على حبكة معقدة تتمحور حول عملية سرقة خطط لها بعناية. غالبًا ما تتضمن هذه الأفلام مراحل التخطيط والتنفيذ والمواجهات اللاحقة مع السلطات أو الخونة، مما يخلق جوًا من التشويق والإثارة. هذه الأنواع من الأفلام تعتمد على الذكاء والتفاصيل الدقيقة، وتشابك الأحداث المليء بالمفاجآت.
قصة الفيلم وشخصياته المتناقضة
تدور أحداث “إن غاب القط” حول “القط”، وهو سارق متحف محترف متخصص في اللوحات الفنية النادرة، يجسده آسر ياسين. يطارده “شهاب”، المسؤول في شركة التأمين على الأعمال الفنية الذي يلعب دوره محمد شاهين. لكن “القط” ليس مجرد لص، بل هو شخصية مزدوجة يعيش حياة سرية كطبيب بيطري باسم “زين”، مرتبطًا بعلاقة عاطفية مع خبيرة ترميم اللوحات، “هند” التي تلعبها أسماء جلال.
يبدأ كل شيء بسرقة لوحة “زهرة الخشخاش” لفان غوخ، لتنطلق بعدها سلسلة من الأحداث المترابطة والمثيرة. الفيلم ينجح في تحقيق التوازن بين التشويق والإثارة، دون الوقوع في التعقيد المفرط أو التسطيح الملحوظ.
فيلم “إن غاب القط” وتجديد أسلوب أفلام الجريمة
الفيلم يتجنب التقليد الأعمى للأعمال الغربية في أفلام الأكشن والجريمة، بل يسعى إلى تقديم قصة سرقة في سياق مصري مألوف. يظهر هذا التكييف في اختيار أماكن التصوير، مثل الأزهر وخان الخليلي وبيت السحيمي، التي تندمج بشكل طبيعي في أحداث الفيلم. كما أن العلاقات بين الشخصيات تعكس الأنماط الاجتماعية المصرية، مما يضفي على العمل طابعًا واقعيًا ومميزًا. بالإضافة إلى ذلك، يركز الفيلم على الجانب النفسي للشخصيات، ويقدم دوافع تتجاوز المكاسب المادية مثل الطموح والانتقام. هذه الجوانب تجعل الفيلم أكثر عمقًا وتأثيرًا.
الإخراج والموسيقى والتصوير: عناصر القوة في الفيلم
لا يقتصر تميز “إن غاب القط” على القصة والشخصيات، بل يمتد ليشمل الجوانب الفنية الأخرى. فالموسيقى التصويرية لكريم جابر (الوايلي) متناغمة تمامًا مع إيقاع الفيلم، وتضيف إلى جو التشويق والإثارة. كما أن الألوان المستخدمة في التصوير نابضة بالحيوية وتتناسب مع الطابع الخفيف للفيلم. بالإضافة إلى ذلك، تم توظيف الديكورات والملابس والمكياج بذكاء، مما يخلق عالمًا بصريًا متكاملاً.
أداء الممثلين ولمسة كوميدية خفيفة
على الرغم من أن الفيلم لا يقدم أداء تمثيلياً استثنائياً، إلا أن الممثلين قدموا أداءً متماسكًا يخدم العمل في مجمله. ونجحوا في تقديم لمسة كوميدية خفيفة تضفي المزيد من المتعة على المشاهدة، دون أن تطغى على الجانب الدرامي. الكوميديا في الفيلم تنبع من المواقف والتناقضات بين الشخصيات، ومن تصادم عالم السرقة مع الحياة اليومية العادية.
الخلاصة: “إن غاب القط” تجربة سينمائية متميزة
“إن غاب القط” ليس مجرد فيلم سرقة عادي، بل هو عمل سينمائي واع بنوعه وحدوده. الفيلم ينجح في تقديم تجربة مسلية ومثيرة، دون الوقوع في فخ التسطيح أو الاستسهال. ويُحسب له اهتمامه بالعناصر التقنية والبصرية، وقدرته على تقديم قصة أفلام الجريمة في سياق مصري أصيل. إنه بالتأكيد إضافة قيمة للسينما المصرية ويستحق المشاهدة من قبل محبي هذا النوع من الأفلام. ننتظر بفارغ الصبر المزيد من الأعمال المتميزة للمخرجة سارة نوح.
هل أعجبك هذا التحليل؟ شاركه مع أصدقائك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يمكنك أيضًا ترك تعليقك أسفل هذا المقال.


