مع مطلع عام 2026، تتجه الأنظار نحو المشهد الثقافي السعودي، وتتجدد الآمال في تعزيز الأصالة والإبداع الأدبي. يراقب المثقفون والنقاد عن كثب التطورات، متطلعين إلى مبادرات نوعية تساهم في رسم صورة حيوية للمشهد الثقافي، وتضمن عدالة التوزيع والوصول إلى مختلف مناطق المملكة. هذا التفاؤل يأتي في ظل زخم كبير شهدته الثقافة السعودية في السنوات الأخيرة، مدفوعًا برؤية المملكة 2030.
آمال وتطلعات لمشهد ثقافي سعودي مزدهر
تتطلع الناقدة الدكتورة أسماء المبارك إلى رؤية مبادرات عملية وواضحة في عام 2026، مؤكدة أن الرهان ليس على كثرة الفعاليات فحسب، بل على جودتها واستمراريتها. وأضافت أن هذه المبادرات يجب أن تتجاوز العواصم والمدن الكبرى، وأن تصل إلى المدارس والأحياء والمناطق النائية. وترى المبارك ضرورة قيام الهيئات والجمعيات المتخصصة بدور أكبر في حماية التراث المادي والشفهي وتوثيقه رقميًا، مع تشجيع التجارب الإبداعية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
دور المثقفين في صون الهوية الوطنية
وشددت المبارك على أهمية مساهمة المثقفين في صون الهوية الوطنية من خلال توثيق التراث المحلي والكتابة عنه بأساليب عصرية، مع الانفتاح على التجديد والحوار المسؤول. وأكدت أن الثقافة لا تزدهر إلا بالحوار، بعيدًا عن الاستقطاب والإقصاء، وبروح من الاحترام وتشجيع الاختلاف. كما دعت الجمعيات الأدبية إلى بناء شراكات مع قطاع التعليم والقطاع غير الربحي، وتقديم برامج مستمرة تقيس أثرها وتعلن نتائجها.
من جانبها، أعربت الكاتبة سهام القحطاني عن سعادتها بالازدهار الذي شهدته الثقافة السعودية في عام 2025، مشيرة إلى فعاليات كبرى مثل مهرجان الدرعية للرواية، وتحدي الابتكار الثقافي “بوليسيثون”، ومزاد “أوريجينز”. وترى القحطاني أن هذه الفعاليات تربط التراث بالفنون المهارية، وتحقق مفهومًا تكامليًا للثقافة، وتؤصل الهوية الوطنية وحضورها العالمي.
ومع ذلك، أشارت القحطاني إلى ركود نسبي في الساحة الأدبية، معتبرة أن معارض الكتب والملتقيات الأدبية مرّت في صمت، وافتقرت إلى القضايا الأدبية الجدلية التي تعتبر مصدر حياة الأدب. وترى أن هذا يعود إلى الانفتاح والتسامح الذي يشهده المجتمع السعودي، وتتطلع إلى عودة الأدب إلى مكانته كروح للثقافة.
الانفتاح الثقافي وتحديات التوازن
أكد الكاتب محمد ربيع الغامدي أن الثقافة السعودية تعيش لحظة انتقال من الاكتفاء الثقافي المغلق إلى الاكتفاء الثقافي المُختبَر. ويرى أن الانفتاح لم يأتِ في فراغ، بل في ظل مكتبة ثقافية غنية في الذاكرة، تتضمن حكايات وشعرًا وأمثالًا وسيرًا ذاتية وسرديات محلية. لكنه يرى أن هذه الثروة الثقافية تحتاج إلى تداول أوسع.
ويرى الغامدي أن الانفتاح يجب أن يكون فرصة للاحتكاك ومساءلة الذات، ورؤية أنفسنا كما يرى الآخرون. ويتطلع إلى تراكم أربع طبقات أساسية: الذاكرة المنتجة، واللغة القادرة على التفكير، والثقة بالنفس، وتجنب الانكفاء.
فيما أوضحت أستاذة الدراسات الأدبية والنقدية الدكتورة دوش بنت فلاح الدوسري أن المملكة تشهد ازدهارًا ثقافيًا وأدبيًا، لكنها دائمًا تطمح إلى الأفضل وإلى حركة تغيير مستمرة. وتتطلع إلى اكتشافات أكثر ثراءً للثقافة السعودية في مختلف المجالات، وكشف أسماء جديدة، وتقديم موضوعات جديدة، وتجنب التكرار.
ويرى الكاتب علي القاسمي أن هناك جهودًا مستمرة من الكيانات الثقافية لتحقيق رضا المتطلعين، لكنه طالب بالتدقيق في مسألة تكرار الأسماء في الفعاليات الثقافية، مؤكدًا على أهمية أن تنحاز العناوين والأفكار إلى مواضيع جادة تلامس المشهد الثقافي.
أما الشاعر إبراهيم زولي، فقد عدّ الثقافة السعودية أكثر حضورًا واتساعًا من أي وقت مضى، بفضل رؤية المملكة 2030، التي جعلت من الثقافة أحد محركات التنمية المستدامة. ويرى أن الثقافة أصبحت ممارسة وطنية تعكس هوية المملكة وتعدد روافدها الحضارية.
تحديات الجمعيات الثقافية
وفيما يتعلق بالجمعيات الثقافية، يرى الناقد الدكتور سعد الرفاعي أن التطلعات منها كبيرة، لكن واقعها قد لا يرقى إلى مستوى الطموحات. ويؤكد على أهمية الجمعيات كقنوات تواصل فاعل مع المستويات العليا، ومساحات دعم أكبر في المقرات والكوادر البشرية المؤهلة. وطالب بتعميم البيوت الثقافية كداعم للجمعيات في تنفيذ مناشطها.
ودعا الروائي طاهر الزهراني إلى الاهتمام بكتب الرواد وإخراجها في سلسلات، وتجويد المخرجات من خلال وضع معايير للجودة، والاهتمام بالترجمة إلى اللغات الأجنبية من خلال مترجمين موثوقين ودور نشر مرموقة.
وفي الختام، يتضح أن المشهد الثقافي السعودي يشهد تحولات كبيرة، ويواجه تحديات وفرصًا في آن واحد. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة إطلاق المزيد من المبادرات الثقافية، وتكثيف الجهود لتعزيز الهوية الوطنية، وتوسيع الحضور الثقافي السعودي على المستوى العالمي. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الأصالة والتجديد، وضمان وصول الثقافة إلى جميع فئات المجتمع.



