في خضمّ الصراعات والجدالات الدائرة حول القضية الفلسطينية، تبرز أهمية فهم الأدوات والآليات التي استخدمت لتشكيل الرأي العام العالمي. لطالما كانت الدعاية أداة قوية في يد الدول والحركات السياسية، وفي حالة إسرائيل، تطورت هذه الدعاية إلى شبكة معقدة ومترابطة تُعرف باسم “الهاسبارا”. كتاب “تسويق إسرائيل: الصهيونية، والدعاية، واستخدامات شبكة الدعاية الإسرائيلية (الهاسبارا)” للبروفيسورة هارييت مالينوفيتز، يغوص في أعماق هذه الشبكة، ويكشف عن الأساليب التي استخدمتها لتصوير إسرائيل في صورة إيجابية، بينما تم تجاهل أو تبرير معاناة الفلسطينيين. هذا العمل البحثي، الصادر حديثًا في أكتوبر 2025 عن دار “غصن الزيتون”، يمثل دراسة نقدية ضرورية لفهم ديناميكيات الصراع، وكيف تم استغلال الدعاية الإسرائيلية لتشكيل التصورات العالمية.

نشأة “الهاسبارا” وأهدافها الاستراتيجية

منذ اللحظات الأولى للحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، أدرك قادتها أهمية السردية المقنعة. لم يكن الهدف مجرد إنشاء دولة لليهود، بل كان بناء شرعية لهذه الدولة في أعين القوى العالمية، وحشد الدعم المالي والسياسي لها. هنا، ظهرت الحاجة إلى الدعاية كأداة أساسية. لم تكن الدعاية مجرد ترويج للأفكار، بل كانت عملية هندسة للواقع، تهدف إلى إقناع العالم بأن المشروع الصهيوني مشروع عادل ونبيل.

“بناء العلامة التجارية الوطنية” و”القوة الناعمة”

تعتمد “الهاسبارا” على مجموعة متنوعة من التكتيكات، من بينها “بناء العلامة التجارية الوطنية” (Nation Branding). هذه العملية تهدف إلى خلق صورة جذابة لإسرائيل، وتسليط الضوء على جوانبها الإيجابية، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والثقافة الغنية، والديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم إسرائيل “القوة الناعمة” (Soft Power) من خلال الترويج للفنون، والأدب، والتعليم، لخلق انطباع إيجابي عن الدولة في الخارج. هذه الاستراتيجيات تهدف إلى جذب الاستثمارات، وتعزيز السياحة، وتحسين العلاقات الدبلوماسية.

التضليل الأخضر والوردي: تكتيكات لخداع الرأي العام

لا تقتصر أساليب الدعاية الإسرائيلية على الترويج الإيجابي، بل تشمل أيضًا التضليل والخداع. “التضليل الأخضر” (Greenwashing) هو أسلوب تسويقي يزعم أن إسرائيل صديقة للبيئة، بينما في الواقع، تتسبب سياساتها في أضرار بيئية جسيمة، خاصة في الأراضي الفلسطينية. وبالمثل، يستخدم “التضليل الوردي” (Pinkwashing) قضايا حقوق المثليين والمتحولين جنسيًا لتلميع صورة إسرائيل، وإخفاء انتهاكاتها لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين. هذه التكتيكات تهدف إلى استغلال حساسية الرأي العام تجاه قضايا معينة، لصرف الانتباه عن المشاكل الحقيقية.

تفكيك الأساطير التأسيسية: “أرض بلا شعب”

يركز كتاب مالينوفيتز بشكل خاص على تفكيك الأساطير التأسيسية التي تقوم عليها السردية الإسرائيلية. أحد أبرز هذه الأساطير هو الادعاء بأن فلسطين كانت “أرضًا بلا شعب” قبل قيام إسرائيل. توضح مالينوفيتز أن هذا الادعاء كاذب، وأن فلسطين كانت مأهولة بالسكان، وكانت تتمتع بحياة اقتصادية واجتماعية مزدهرة. وتشير إلى ازدهار تجارة البرتقال في يافا كمثال على ذلك. كما تفضح الكتاب الادعاءات التي تبرر تهجير الفلسطينيين في عام 1948، وتكشف عن الأساليب التي استخدمت لتشويه صورة المقاومة الفلسطينية.

النكبة والتشكيك المستمر

تتناول مالينوفيتز بعمق قضية النكبة الفلسطينية، وكيف تم إنكارها أو التقليل من شأنها من قبل إسرائيل. توضح كيف أن آلة الدعاية الإسرائيلية عملت على تشويه الحقائق، ونشر روايات متناقضة، لخلق حالة من الشك والارتباك حول ما حدث بالفعل في عام 1948. هذا الإنكار يهدف إلى تبرير الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وإعفاء إسرائيل من أي مسؤولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين.

تأثير الدعاية الرقمية

في العصر الحديث، أصبحت الدعاية الرقمية أداة قوية بشكل متزايد. تستخدم إسرائيل وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، والمؤثرين الرقميين، لنشر رسائلها، والتأثير على الرأي العام العالمي. تهدف هذه الحملات إلى تصوير إسرائيل كدولة ديمقراطية، ومحاصرة، وتواجه تهديدات وجودية. في الوقت نفسه، يتم قمع الأصوات الفلسطينية، وتشويه صورتها في الفضاء الرقمي. هذا التأثير الرقمي يمثل تحديًا كبيرًا للمدافعين عن حقوق الفلسطينيين، الذين يحاولون مواجهة هذه الحملات الدعاية الإسرائيلية من خلال نشر الحقائق، وتحدي الروايات السائدة.

الخلاصة: نحو فهم نقدي للدعاية

كتاب “تسويق إسرائيل” هو عمل بحثي مهم يلقي الضوء على الأساليب المعقدة التي استخدمتها إسرائيل لتشكيل الرأي العام العالمي. من خلال تفكيك الأساطير التأسيسية، وكشف عن التكتيكات الخادعة، يقدم الكتاب دعوة إلى فهم نقدي للدعاية، وإلى التشكيك في الروايات السائدة. هذا الفهم ضروري لتحقيق العدالة والسلام في المنطقة، ولضمان أن يتم سماع صوت الفلسطينيين، وأن يتم احترام حقوقهم. يُعد هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا للباحثين، والصحفيين، والناشطين، وكل من يهتم بفهم ديناميكيات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأهمية الدعاية في تشكيل التصورات العالمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version