يعد اختيار المخرج الألماني الكبير فيم فيندرز رئيساً للجنة التحكيم الدولية لمهرجان برلين السينمائي الدولي حدثاً بارزاً يؤكد على مكانة السينما كمساحة للتأمل البصري والعمق الفني، في عالم يشهد تسارعاً محمومًا وتأثراً متزايداً بضغوط السوق والذوق الخوارزمي. هذا الاختيار ليس مجرد تكريم لمسيرة فنية استثنائية، بل هو أيضاً بيان قوي حول أهمية الحفاظ على جوهر السينما كفن يتطلب التمهل والتأمل.
فيم فيندرز: أيقونة السينما الألمانية الحديثة
يعتبر فيندرز أحد أكثر السينمائيين تأثيراً في صياغة لغة السينما الحديثة، وشخصية محورية في حركة السينما الألمانية الجديدة. إنه مخرج أوروبي يحظى باحترام واسع النطاق، بنى مسيرته الفنية على أسس الاهتمام بالمكان، والصمت، والثقل العاطفي الذي تحمله الصور، بدلاً من الإبهار أو الإثارة السردية المفرطة. على امتداد أكثر من خمسة عقود، أخرج ما يزيد على 40 فيلماً تنوعت بين الروائي الطويل، والوثائقي، وأفلام التجريب، موزعة بين أوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم.
جوائز وتكريمات عالمية
حصل فيندرز على تقدير واسع في كبرى المهرجانات السينمائية الدولية، وكان أبرز تتويج له جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان عام 1984 عن فيلم “باريس، تكساس” (Paris, Texas)، الذي شكل نقطة تحول في مسيرته المهنية وأكسبه شهرة عالمية. كما فاز فيلمه “أجنحة الرغبة” (Wings of Desire) عام 1987 بجائزة أفضل إخراج في مهرجان كان، ليصبح أحد أكثر الأفلام الأوروبية تأثيراً في تاريخ السينما الحديثة. وفي مجال الأفلام الوثائقية، نال فيلم “نادي بوينا فيستا” (Buena Vista Social Club) عام 1999 ترشيحاً لجائزة الأوسكار، وكذلك فيلم “بينا” (Pina) عام 2011، الذي رشح لأوسكار أفضل فيلم وثائقي، مؤكداً حضوره العابر للأنواع السينمائية.
ظلال الحرب وتأثيرات المكان
ولد فيندرز في دوسلدورف عام 1945، في ألمانيا التي كانت لا تزال تعاني من آثار الدمار بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الفترة التاريخية تركت بصمة واضحة على أعماله، حيث غالباً ما تتناول أفلامه موضوعات الذاكرة، والوحدة، والبحث عن الهوية في عالم ما بعد الحرب. درس الطب في البداية قبل أن يتجه إلى السينما، ومنحته دراسته في مدرسة ميونخ للسينما الفرصة للوجود في قلب السينما الألمانية الجديدة.
أفلام الطريق: البحث عن المعنى
تميز فيندرز عن أقرانه بالتركيز على الملاحظة والتأمل، بدلاً من المواجهة والاستفزاز. بدأت مسيرته مع ثلاثية أطلق عليها اسم “أفلام الطريق”، وهي: “أليس في المدن”، و”الخطوة الخاطئة” عام 1975، و”ملوك الطريق” عام 1976. تتكرر مشاهد السيارات والطرق السريعة والمدن الحدودية في أعماله، ولكن الطريق ليس وعداً بالحرية، بل حالة من التجمد أو مكان تكون فيه الهوية مؤقتة والمعنى غير محسوم.
التأثير العابر للأنواع السينمائية
يتجاوز تأثير فيندرز حدود السينما الروائية. فقد ساهمت أفلامه الوثائقية، خاصة “نادي بوينا فيستا الاجتماعي” و”بينا” و”ملح الأرض” في توسيع آفاق السينما غير الروائية، عبر ربطها بالموسيقى والرقص والتصوير الفوتوغرافي. هذه الأفلام لا تقدم مجرد توثيق للواقع، بل هي تأملات فنية عميقة في الثقافة والتاريخ والإنسانية.
“أجنحة الرغبة”: برلين كمرآة للذاكرة
يعتبر فيلم “أجنحة الرغبة” عام 1987 من أبرز أعمال فيندرز، حيث يقدم مدينة برلين المقسمة كلوحة أعيدت صياغتها من خلال الصدمات والشوق. تدور أحداث الفيلم بين ملائكة يراقبون الحياة البشرية دون التدخل، ويتناول الفيلم المدينة كأرشيف حي للصدمات والأمل. هذا الفيلم، الذي صدر قبل عامين من سقوط جدار برلين، غالباً ما يُقرأ بأثر رجعي على أنه نبوءة، لكن قوته الحقيقية تكمن في نظرته الأخلاقية التي ترفض الهيمنة على الأبطال وتسمع أصواتهم.
فيندرز ورئاسة مهرجان برلين: رسالة فنية
إن اختيار فيندرز رئيساً للجنة التحكيم في مهرجان برلين السينمائي الدولي يمثل رسالة فنية قوية في مواجهة الضغوط التجارية المتزايدة على صناعة السينما. فيندرز يمثل ثقلاً وتذكيراً بقيم مغايرة، ويشير وجوده على رأس لجنة التحكيم إلى انفتاح على السينما التي تتفاعل مع العالم دون اختزاله إلى مجرد شعارات. إنه ليس مسؤولاً محايداً، ولكنه أيضاً لا يفرض مذهباً جمالياً جامداً، بل يتماشى مع تاريخ المهرجان في منح الجوائز للأفلام ذات التوجه السياسي الجريء فنياً.
في الختام، يمثل فيم فيندرز قيمة فنية فريدة في عالم السينما، واختياره لرئاسة مهرجان برلين السينمائي الدولي هو اعتراف بمكانته وتأثيره، وتأكيد على أهمية الحفاظ على جوهر السينما كفن يتطلب التأمل والعمق. إنه دعوة لإعادة النظر في أولويات صناعة السينما، والتركيز على الجودة والإبداع بدلاً من مجرد السعي وراء الربح والشهرة.


