في أعماق كل كتاب، تكمن ومضات من الحكمة، مسارات متناغمة تدعو القارئ إلى اكتشاف طريقه. يشبه الأمر مسارب المياه المتفرقة، تتحد بعضها في رافد يهمس بأنك فارس نبيل، مدعو لركوب جواده في معركة الحياة، بينما يشكل البعض الآخر رافداً آخر، ينادي بقضية عظيمة تنتظر من ينصرها. هذا هو جوهر كتاب “عش عظيماً” لكريم الشاذلي، دعوة للبحث عن المعنى والهدف في الحياة.
رحلة البحث عن العظمة: من الصرخة الأولى إلى الإرث الدائم
يبدأ كريم الشاذلي رحلته في الكتاب بالعودة إلى تلك الصرخة الأولى التي نطلقها عند الولادة، تلك اللحظة المشتركة بيننا جميعًا. لكن سرعان ما تتفرع الدروب، وتتخذ حياتنا مسارات مختلفة. فمن بيننا من يعيش ويموت في طي النسيان، ومن آخرين يجدون الراحة في موتهم. لكن هناك فئة قليلة، هي أصحاب القضايا الكبرى، الذين لا يموتون حقًا، لأن أعمالهم تتحدث عنهم بعد رحيلهم، وتخلد ذكراهم. هؤلاء هم من يعيشون لقضيتهم، وتعيش لهم بها.
قرار العيش بعظمة: صهر الروح وتشكيل الذات
إن قرار العيش عظيماً ليس بالأمر الهين، بل يتطلب صهرًا للروح وتشكيلًا جديدًا للذات، بما يتماشى مع ما نؤمن به. وعندما يحدث هذا التماهي، تذوب الذات في القضية، وتصبح الحياة نفسها تجسيدًا لها. هذا التحول هو مفتاح العظمة الحقيقية.
بوصلة العظمة والخسة: طبيعة الهموم ومستوياتها
يضع الشاذلي أمامنا بوصلة تمكننا من التمييز بين درجات العظمة والخسة، ويربط ذلك بطبيعة الهموم التي نحملها. الهموم تتدرج من التافهة إلى العادية، ثم النبيلة وصولاً إلى العظيمة. فكلما كانت همومنا أسمى، كلما ارتفعت درجة عظمتنا.
نماذج من التاريخ: سيد قطب وأبطال الإيمان
يقدم الشاذلي تجسيدًا لهذه الحقيقة في شخصية سيد قطب، رحمه الله. فبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، لا يمكن إنكار أنه كان بطلاً عاش من أجل قضية ومات من أجلها. مسيرته كانت تأكيدًا عمليًا لصدقه مع الذات، وتجسيدًا لقوله: “إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئًا كثيرًا، ولكن بشرط واحد، أن يموتوا لتعيش أفكارهم”.
بالإضافة إلى ذلك، يستعرض الكتاب نماذج تاريخية أخرى لأفراد دفعوا ثمن إيمانهم بأفكارهم، مثل أحمد بن حنبل، وسعيد بن جبير، وابن تيمية. ولا يقتصر الشاذلي على تراثنا الإسلامي، بل يستلهم أيضًا من شخصيات عالمية مثل جيفارا، ولينكولن، وتشرشل، مؤكدًا أن العظمة لا تعرف حدودًا.
التغلب على القيود: الإنسان حيث يضع نفسه
لا يقبل الشاذلي أن يحتج أحد بقيود الظروف كعذر لعدم السعي نحو العظمة. فالإنسان هو من يحدد موقعه، ويصنع مصيره. فالحياة قد تكون قاسية، لكنها في النهاية تفسح الطريق للمنتصر. مثال عنترة بن شداد، الذي تحول من عبد إلى فارس بفضل شعره وفروسيته، خير دليل على ذلك.
التواضع والصدق مع الذات: مفتاح العظمة الحقيقية
مع كل هذا، ينبه الشاذلي إلى أهمية التواضع والتحلي بالصدق مع الذات. فالعظيم حقًا لا يدرك عظمته إلا إذا انطلق من حجمه الحقيقي، والتزم بالتجرد والتواضع. ويقتبس قول مصطفى صادق الرافعي: “استحسان الرجل لأعماله السامية هو أول أعماله السافلة”.
الحب كقضية كبرى: الدافع وراء العظمة
يرى الشاذلي أن الحب هو القضية الكبرى، فهو الدافع وراء كل عمل عظيم ونبيل. فكل عظيم وقائد كان يملك بداخله حبًا جارفًا للبشرية، دفعه إلى نجدتها والسهر على إنقاذها. هذا الحب هو الذي يمنح الإنسان القوة والإلهام لتحقيق المستحيل.
العمل الجماعي والمسؤولية: بناء الصلاح والارتقاء بالأمم
إن عظمة الأفراد تتحقق من خلال العمل الجماعي المنظم، الذي يجمع بين الجهود الفردية المبعثرة. فالصلاح الأوسع للأمم والشعوب يتطلب أفرادًا عظماء يتلاحمون فيما بينهم لبناء كيان قوي ومتين. الخطر يكمن في تراجع أصحاب المواهب والقدرات، والاكتفاء بأدوار صغيرة في الحياة.
الإيجابية والتفكير النقدي: أدوات السير نحو العظمة
في المحطة الأخيرة من الكتاب، يدعو الشاذلي السائر في طريق العظمة إلى التحلي بالإيجابية، فهي جوهر الرسالة، واندفاع نحو العمل، وبعد عن الاستسلام. كما يؤكد على أهمية مراجعة القناعات باستمرار، والتفكير النقدي، والتمييز بين الرأي والحقيقة.
العيش عظيماً: دعوة للتغيير والتحول
“العيش عظيماً” ليس مجرد عنوان كتاب، بل هو دعوة للتغيير والتحول، دعوة للبحث عن المعنى والهدف في الحياة، والسعي نحو تحقيق الإمكانات الكامنة في كل واحد منا. إنها دعوة للعمل، والإيمان، والحب، والتضحية، من أجل بناء عالم أفضل. فهل نلبي هذه الدعوة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



