في خضمّ روايات شخصية وشهادات مُفجعة عن المحرقة والإبادة في قطاع غزة، يُقدّم كتاب حيدر عيد “قرع جدران الخزّان” رسالة أملٍ تتحدّى. هذا العمل الأدبي والتحليلي، الذي يمثل إضافة نوعية إلى الأدب الفلسطيني المعاصر، يلقي الضوء على معاناة شعب غزة تحت وطأة الحصار والعدوان المستمر، ويقدم في الوقت ذاته رؤية للمستقبل تتجاوز اليأس. الكتاب ليس مجرد توثيق للأحداث، بل هو صرخة مدوية تطالب بالعدالة والحرية.
“قرع جدران الخزّان”: شهادة من قلب غزة
يضم الكتاب مجموعة من التأملات والتحليلات والشهادات التي كتبها الأكاديمي والناشط الفلسطيني الدكتور حيدر عيد، على مدى 18 عامًا في قطاع غزة. يقدم الكتاب منظورًا من الداخل لحصار غزة منذ عام 2007، والحروب الإسرائيلية المتتالية أعوام 2009 و2012 و2014 و2021، ومسيرات العودة الكبرى، والإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها دولة الفصل العنصري الإسرائيلية. لا يقتصر الكتاب على سرد المعاناة، بل يتناول أيضًا البدائل السياسية، وفرص المقاومة، وآفاق السلام العادل بعد أكثر من قرن من السلب والاقتلاع.
من هو حيدر عيد؟
مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور حيدر عيد، أستاذ أدب مرحلة ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة بجامعة الأقصى في غزة، فلسطين. وهو أيضًا مستشار السياسات لدى شبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة)، وله كتابات واسعة في الصراع العربي الإسرائيلي. تتميز كتابات عيد بالعمق التحليلي والالتزام بالقضية الفلسطينية، مما يجعله صوتًا مؤثرًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية.
تقديم من خبير دولي: ريتشارد فولك
حظي الكتاب بتقديم قيم من البروفسور ريتشارد فولك (95 عامًا)، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعتي برنستون وكاليفورنيا، ومقرر الأمم المتحدة الأسبق لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فولك، المعروف بدفاعه القوي عن حقوق شعب فلسطين ومعارضته للسياسة الخارجية الأميركية ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي، يرى في “قرع جدران الخزّان” عملًا ضروريًا لفهم الواقع الفلسطيني المعقد.
استقبال نقدي واسع للكتاب
استقبل النقاد والخبراء الكتاب بكثير من الترحيب والتقدير نظرًا لصدوره في أكثر الأوقات حرجًا بالنسبة لقضية فلسطين ومصير قطاع غزة، بعد عامين من الإبادة الجماعية التي لا تزال دائرة رغم مزاعم وقف إطلاق النار. يعتبر الكتاب بمثابة توثيق حيّ للأحداث الجارية، ويدعو إلى إعادة النظر في السياسات الدولية تجاه القضية الفلسطينية.
“دولة واحدة بين النهر والبحر”: رؤية للمستقبل
تصف ليلى فرسخ، الأستاذة بجامعة ماساتشوستس في بوسطن، الكتاب بأنه “عاجل مؤثر واسع الاطلاع”. ويقدم عيد تحليلاً ضروريًا للإبادة الجماعية في غزة، مؤكدًا أنها لم تبدأ في عام 2023، ويفسر لماذا يواصل الفلسطينيون قرع جدران سجنهم لتأكيد إنسانيتهم وحقوقهم غير القابلة للتصرف في الحرية والمساواة والعودة. استنادًا إلى تجارب مماثلة، مثل تفكيك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يقدم عيد حجة قوية لصالح حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل (BDS)، وتعزيز التضامن الدولي مع فلسطين، ويدعو إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة بين النهر والبحر.
“نحن نقرع جدران الخزّان”: صرخة تحدٍّ
يقول الشاعر والناقد عبد الرحيم الشيخ إن عيد يحوّل سؤال غسان كنفاني في روايته “رجال في الشمس”: “لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟!” إلى صرخة تحدٍّ: “نحن نقرع جدران الخزان!”. هذه الصرخة تعبر عن رفض الفلسطينيين للاستسلام، وإصرارهم على المطالبة بحقوقهم. لم يعد الأمر مجرد مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الفلسطينيين للصراخ، بل على الإنسانية جمعاء أن تصغي.
شهادات دولية حول أهمية الكتاب
يؤكد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، مؤلف كتاب “التطهير العرقي في فلسطين”، أن الكتاب يقدم منظورًا فلسطينيًا أصيلًا وقويًا حول “حقول القتل” في غزة، من خلال دمج التحليل التاريخي بحكايات شخصية مؤثرة. ويرى بابيه أن الكتاب يظهر أهل غزة كما هم: صامدون وشجعان بشكل لا يصدق في مواجهة حملة إبادة جماعية. أما جميلة غدّار، أستاذة دراسات الإعلام بجامعة أمستردام، فترى أن الكتاب يعيدنا إلى ذواتنا، متواضعين غاضبين ومتذكرين لماذا تمثل غزة كل فلسطين في آن واحد. وتضيف أن الكتاب هو كل ما نحتاجه لفهم ما أوصلنا إلى هنا، والانتقال إلى مستقبل مُحرّر.
المقاومة كشكل من أشكال الإبداع
تؤكد جو بلين، مناضلة يهودية جنوب أفريقية، أن أعمال عيد تتميز بروح راسخة من الرفض الكتّابي في أشكال جريئة ووجدانية من الكتابة والإبداع. ويستلهم عيد من المفكر الجزائري فرانز فانون، مؤكدًا أن المقاومة ليست مجرد قدرة على التصدي لعدو أقوى عسكريًا، بل هي القدرة على مقاومة احتلال الأرض بإبداع. يرفض عيد رفضًا قاطعًا خداع الاسترضاء الاستعماري، ويذكر القارئ بحتمية فلسطين الحرة عبر النضال. قرع جدران الخزّان هو تعبير عن هذا النضال المستمر.
دعوة إلى العمل والتضامن
“قرع جدران الخزّان” ليس مجرد كتاب، بل هو شهادة بليغة على إنسانية عيد الشجاعة وتحليله اللاذع. تنبعث من الكلمات دعوة للعمل من خلال غنائية ووجدانية وتفاؤل التاريخ. الكتاب يدعونا جميعًا للانضمام إلى الملايين في قرع جدران الخزان، والمطالبة بالعدالة والحرية لفلسطين. هذا الكتاب ضروري لفهم عمق المأساة الفلسطينية، وضرورة العمل من أجل مستقبل أفضل. حيدر عيد يقدم لنا أداة قوية لفهم الواقع، ويدعونا إلى التغيير. غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل هي رمز للصمود والأمل.



