عيد الفصح في غزة: ألفا عام من الحضور المسيحي في ظل الحرب والقيود
في مدينة غزة، حيث يتردد صدى التاريخ في كل زاوية، استمر الحضور المسيحي دون انقطاع لأكثر من ألفي عام. هذا العام، ومع اقتراب عيد الفصح، يواجه مجتمع غزة المسيحي تحديات غير مسبوقة. خرج فؤاد عياد يوم الأحد يبحث عن بيض في أسواق المدينة، ليس كترف أو رفاهية، بل لأن أطفاله ينتظرون بيض عيد الفصح الملون كما في كل عام. لكنه لم يجد بيضة واحدة في القطاع بأكمله. هذه القصة الموجعة تجسد واقعًا أعمق، واقع مجتمع يكافح للحفاظ على تقاليده وهويته في ظل الحرب والحصار.
الحياة المسيحية في غزة: تاريخ عريق وتحديات مستمرة
لطالما كان مسيحيو غزة جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة. على الرغم من كونهم أقلية، إلا أنهم حافظوا على وجودهم ومساهماتهم في المجتمع. فؤاد عياد، مدرب الطاقة الحيوية البالغ من العمر 31 عامًا، هُجِّر من منزله قرب مستشفى الرنتيسي للأطفال في غرب غزة، يذكر كيف كان في السنوات الماضية يزين البيض للصغار، وكيف كان أطفال الجيران المسلمين يمرون ليأخذوا نصيبهم من البيض الملون. “كنا نجتمع على غداء مشترك، ونلون البيض. كان عيدًا جميلاً مليئًا بالفرح”، يقول للجزيرة. “كنا نزور كبار السن وندعو لهم، ونمر على الجيران المسلمين”.
لكن تلك الأيام الخوالي تبدو بعيدة الآن. الحرب الحالية فرضت واقعًا جديدًا، حيث أصبح اللحم شحيحًا وباهظ الثمن، ولم يعد هناك غداء عائلي هذا العام. وكنيسة العائلة المقدسة، التي كان فؤاد يرتادها، تعرضت لعدة هجمات خلال الحرب. “قتل ثلاثة من أقاربي في هذه الكنيسة، وفي هجوم آخر قتل أكثر من عشرين مسيحيا”. هذه الأحداث المأساوية تلقي بظلالها على احتفالات عيد الفصح هذا العام.
تراجع الاحتفالات وتشبث الأمل
حضور قداس الفصح هذا العام تراجع بشكل كبير في الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة، حيث غادر العديد من أبناء الجماعة القطاع بحثًا عن الأمان. ومع ذلك، يصر من بقي على مواصلة الصلاة في كنيستهم. “رغم أننا أقلية صغيرة، سنواصل الصلاة في كنيستنا”، يضيف فؤاد. لكنه يختصر الموقف كله في جملة واحدة مؤثرة: “اكتفينا بالصلاة. رفضنا الاحتفال بسبب شهدائنا”.
عدد مسيحيي غزة اليوم يقل عن ألف شخص. كانوا مجتمعًا صغيرًا أصلاً قبل الحرب، والعديد منهم قُتلوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 في هجمات استهدفت منازلهم وكنائسهم. هم جزء من أكثر من 72 ألف فلسطيني قتلتهم إسرائيل منذ ذلك التاريخ، بعد أن شنت حربها على غزة إثر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد وصفت لجنة أممية ومنظمات حقوقية ما يجري بأنه “إبادة جماعية”.
الحصار والقيود: خنق الحياة في غزة
داخل كنائس غزة، حملت الصلوات والتجمعات الهادئة معنى أعمق من أي سنة سابقة: عائلات تحيي العيد وهي تتشبث بالأمل في البقاء والسلام. الكثير من أبناء المجتمع المسيحي غادروا القطاع الذي عاش فيه المسيحيون دون انقطاع لأكثر من ألفي سنة. لكن من بقي يواجه شح كل شيء: الكهرباء والماء والطعام، بما فيه البيض الذي يعد جزءًا من تقاليد العيد الأساسية.
إسرائيل تتحكم منذ عقود في ما يدخل غزة ويخرج منها، وهذه القيود تضاعفت خلال الحرب. بالإضافة إلى ذلك، لم يتمكن مسيحيو غزة من السفر إلى البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة لحضور قداس كنيسة القيامة منذ عامين. الأسبوع الماضي، منعت الشرطة الإسرائيلية الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس اللاتيني، من دخول كنيسة القيامة ذاتها، قبل أن تتراجع بعد إدانة دولية واسعة.
قصص من قلب غزة: صمود وإيمان
إلياس الجلدة، من حي تل الهوا في مدينة غزة، أجبر على الفرار مع عائلته المكونة من خمسة أفراد بعد تدمير منزله. “لجأت إلى كنيسة العائلة المقدسة خلال الحرب، ومنذ وقف إطلاق النار أستأجر شقة في حي الصبرة”، يقول الرجل الستيني. رفض إلياس النزوح إلى جنوب غزة، وآثر البقاء في الكنائس رغم الخطر. يتذكر كيف كان عيد الفصح وقتًا للاحتفال والسعادة، وكيف كانت العائلات تحتفل في البيوت، تزور الأقارب وتستقبل الأصدقاء. “التقاليد ناقصة. لا بيض في القطاع كله. الأطفال ليس لديهم مكان للترفيه”.
أمل المصري، 74 عامًا، كانت تعيش مع عائلتها في حي الرمال، أحد أوائل الأحياء التي تعرضت لقصف إسرائيلي عنيف. نزحت مع زوجها ثلاث مرات. “عامان في الجنوب بلا عيد على الإطلاق”، تقول أمل. تتذكر كيف كان للاحتفالات روح خاصة قبل الحرب، وكيف كانت العائلات تدعو بعضها على الغداء والعشاء. هذا العام، تحاول أمل وجماعتها الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، لكن الكثير من التقاليد التي كانت تُدخل الفرح على الأطفال لا تزال غائبة. “بحثت عن البيض في كل مكان. لم أجد بيضة واحدة في القطاع كله”.
غزة: أرض للجميع
فؤاد عياد، الذي بدأ يومه يبحث عن بيض لأطفاله ولم يجد، يختم بعبارة تختزل كل شيء: “نحن المسيحيين جزء من هذه الأرض، وعانينا مع الجميع في غزة. مهما كان انتماؤك السياسي أو دينك، كلنا نحن الفلسطينيين مستهدفون من الاحتلال”. عيد الفصح في غزة هذا العام ليس مجرد احتفال ديني، بل هو تعبير عن الصمود والإيمان والأمل في مستقبل أفضل. بيض ملون واحد كان سيكفي، لكن في غزة اليوم، حتى هذا القدر من الفرح ليس متاحًا. عيد الفصح في غزة يذكرنا بأهمية التضامن والسلام والعدالة للجميع.


