أسعار الفضة تتخطى حاجز المئة دولار: نظرة تاريخية وتحليل لأسباب الصعود

شهدت أسعار الفضة في يناير 2026 ارتفاعًا تاريخيًا غير مسبوق، متجاوزةً حاجز المئة دولار للأوقية. هذا الارتفاع اللافت يعيد إلى الأذهان مسيرة هذه السلعة الثمينة عبر العقود، ويطرح تساؤلات حول العوامل التي دفعت بها إلى هذا المستوى القياسي. يعتبر الارتفاع في سعر الفضة مؤشرًا على تغيرات اقتصادية وجيوسياسية عميقة، وتزايد الطلب عليها كملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين العالمي.

تاريخ أسعار الفضة: رحلة عبر الزمن

على مدار قرن من الزمان، شهدت أسعار الفضة تقلبات حادة، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحداث الاقتصادية والسياسية العالمية. من فترة الكساد الكبير إلى أزمات النفط، مرورًا بصدمة نيكسون وظهور التكنولوجيا الحديثة، كانت الفضة مرآة تعكس تحولات العالم.

الفضة في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية

خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، استقرت أسعار الفضة عند مستوى متواضع يبلغ حوالي 0.8 دولار للأوقية. ومع ذلك، ومع دخول العالم في حقبة نظام بريتون وودز (1945-1971)، ارتفعت الأسعار تدريجيًا لتصل إلى حوالي دولارين. خلال فترة الكساد الكبير (1925-1939) انخفض سعر الفضة إلى حوالي 0.5 دولار للأوقية، مما يعكس الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي سادت تلك الفترة.

صعود وهبوط الفضة في السبعينيات والثمانينيات

في عام 1971، ومع إنهاء ارتباط الدولار بالذهب، شهدت أسعار الفضة تراجعًا مؤقتًا إلى 1.3 دولار. لكن، سرعان ما عادت لتصعد بقوة خلال أزمة الأخوين هانت في الفترة بين 1979 و1980، حيث وصلت إلى ذروتها عند 49.45 دولارًا للأوقية. هذا الارتفاع المفاجئ كان نتيجة للتلاعب بالسوق من قبل الأخوين هانت، وسرعان ما تبعه انهيار حاد في الأسعار.

الفضة في الألفية الجديدة: تقلبات مستمرة

شهدت الفترة بين 1981 و2000 انخفاضًا مطردًا في أسعار الفضة، لتصل إلى حوالي 6 دولارات. ومع ظهور فقاعة الإنترنت في عام 2001، انخفضت الأسعار إلى حوالي 5 دولارات. إلا أن الأسعار بدأت في التعافي تدريجيًا بين عامي 2001 و2008، لتصل إلى حوالي 20 دولارًا.

تأثير الأزمات المالية والتحولات الاقتصادية

أدت سياسات التيسير الكمي التي تبنتها البنوك المركزية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 إلى ارتفاع أسعار الفضة إلى حدود 30 دولارًا بين عامي 2008 و2011. في عام 2011، لامست الفضة مستوى 48 دولارًا مع التعافي الاقتصادي، لكنها دخلت بعد ذلك في فترة من الهبوط النسبي بين عامي 2011 و2020، واستقرت عند حدود 30 دولارًا.

مع جائحة كورونا والتحولات في أسواق الطاقة بين عامي 2020 و2025، حافظت الأسعار على استقرارها عند حوالي 30 دولارًا، قبل أن تسجل ذروة جديدة في أكتوبر 2025 عند 50 دولارًا.

أسباب صعود أسعار الفضة التاريخي في 2026

القفزة التاريخية في سعر الفضة في يناير 2026 لم تكن مفاجئة، بل كانت نتيجة لتضافر عدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية وتقنية وقانونية. هذه العوامل خلقت بيئة معقدة أثرت على جانبي العرض والطلب، ودفعَت الفضة إلى مستويات قياسية.

المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية

تفاقم الديون العالمية، وتآكل القوة الشرائية للعملات، وضعف العوائد الحقيقية، وميل البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية توسعية، كلها عوامل ساهمت في زيادة الإقبال على المعادن النفيسة كملاذ آمن. إضافة إلى ذلك، تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة في الأصول الورقية عزز هذا الاتجاه.

تحديات العرض المرتبطة بالمعادن الأساسية

تُنتج الفضة غالبًا كمنتج ثانوي لعمليات استخراج معادن أخرى، مثل النحاس والرصاص والزنك. هذا يعني أن المعروض من الفضة يتأثر بشكل مباشر بالقيود التنظيمية والبيئية والضريبية واللوجستية التي تواجه إنتاج المعادن الأساسية. أي تعطل في إنتاج هذه المعادن يؤدي إلى تقليل المعروض من الفضة، وبالتالي ارتفاع أسعارها.

العوامل القانونية واللوجستية والسوقية

إدراج الفضة ضمن مسودة “المعادن الحرجة” في بعض الدول، وتصاعد المخاوف بشأن فرض تعريفات جمركية على المعادن، وتسارع الشحن إلى الولايات المتحدة، واختناقات التمويل، وارتفاع كلفة الاقتراض، وانكماش المخزونات القابلة للتسييل، واتساع الفجوة بين السوق الفورية والآجلة، كلها عوامل ساهمت في زيادة الطلب على الفضة وارتفاع أسعارها. الاستثمار في الفضة كمخزن للقيمة أصبح أكثر جاذبية.

الطلب الصناعي المتزايد

يشهد الطلب الصناعي على الفضة نموًا متسارعًا، مدفوعًا بالتحول نحو الطاقة النظيفة والرقمنة ومتطلبات الاعتمادية. تستخدم الفضة على نطاق واسع في صناعة الخلايا الشمسية والإلكترونيات والسيارات الكهربائية والصناعات الكيميائية والمجال الطبي وتنقية المياه. هذا الطلب المتزايد يساهم في زيادة الضغط على المعروض من الفضة، وبالتالي ارتفاع أسعارها.

مستقبل أسعار الفضة: نظرة إلى الأمام

من المتوقع أن يستمر الطلب على الفضة في النمو في المستقبل، مدفوعًا بالعوامل المذكورة أعلاه. ومع استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، من المرجح أن تظل الفضة ملاذًا آمنًا جذابًا للمستثمرين. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطلب الصناعي المتزايد سيساهم في دعم أسعار الفضة على المدى الطويل. ومع ذلك، يجب على المستثمرين أن يكونوا على دراية بالمخاطر المرتبطة بالاستثمار في المعادن النفيسة، وأن يقوموا بتقييم دقيق لظروف السوق قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية. تحليل اتجاهات أسعار الفضة يتطلب متابعة دقيقة للتطورات الاقتصادية والسياسية العالمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version