في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة الرعاية الطبية، يبرز الإنفاق الحكومي على الصحة بوصفه أحد أهم المؤشرات على مستوى اهتمام الدول بصحة مواطنيها وجودة الخدمات المقدَّمة لهم. وبين تفاوت الموارد والإمكانات، تكشف الأرقام الرسمية للموازنات العامة في عدد من الدول العربية عن فروق واسعة في حجم الإنفاق الصحي، سواء من حيث القيمة المطلقة أو نصيب الفرد أو نسبة الإنفاق الصحي من إجمالي الإنفاق العام. هذا التفاوت يثير تساؤلات حول الأولويات الحكومية وتأثيرها على صحة المواطن العربي.
نظرة عامة على الإنفاق الصحي في الموازنات العربية
يشمل الإنفاق الحكومي على الصحة عدة جوانب رئيسية، بدءًا من إنشاء وتطوير المستشفيات والمراكز الصحية، مرورًا بشراء الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، وصولًا إلى تغطية تكاليف التشغيل والصيانة، وأجور الأطباء والعاملين في القطاع الصحي. هذه العناصر مجتمعة تحدد مدى قدرة الدولة على تقديم خدمات صحية كافية وفعالة لمواطنيها.
في هذا التقرير، ترصد الجزيرة نت بالأرقام حجم ما تنفقه حكومات عربية مختارة على صحة المواطن، وتقارن بين التجارب المختلفة من الخليج والمشرق إلى المغرب العربي، للإجابة عن سؤال جوهري: كم تنفق دولتك فعليا على صحتك؟
معايير التقييم والمنهجية المتبعة
لإجراء هذه المقارنة، تم اعتماد مجموعة من المعايير لضمان الدقة والشفافية. في السعودية، يتم إدراج مخصصات الصحة ضمن قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية في الموازنة العامة للدولة، وتم الاعتماد على بيانات وزارة الصحة لتحديد الرقم المخصص للقطاع الصحي بشكل منفصل. أما في سلطنة عمان، فيشمل الإنفاق الصحي جهات متعددة، لذا تم الاعتماد على التصريحات الرسمية بشأن حجم الإنفاق الإجمالي على هذا القطاع.
بالنسبة لباقي الدول، تم الاعتماد على الأرقام الواردة في الموازنات المنشورة عبر مواقع وزارات المالية للعامين 2025 و2026. تم تحويل النفقات بالعملة المحلية إلى ما يعادلها بالدولار الأمريكي وفقًا لسعر الصرف وقت إعداد التقرير. كما تم حساب نصيب الفرد في كل دولة عن طريق قسمة قيمة الإنفاق الصحي على إجمالي عدد السكان.
مقارنة بين الإنفاق الصحي في الدول العربية
السعودية: ريادة الإنفاق الصحي
وفقًا لآخر البيانات المنشورة، بلغت ميزانية وزارة الصحة السعودية للعام 2025 نحو 99.3 مليار ريال سعودي (26.8 مليار دولار)، وهو الأعلى على مستوى الدول العربية. تمثل هذه الميزانية 7.7% من إجمالي الميزانية السعودية البالغة 1285 مليار ريال سعودي (347 مليار دولار). مع عدد سكان يبلغ 34.6 مليون نسمة، يصل نصيب الفرد من الإنفاق الصحي إلى 775 دولارًا.
الجزائر: تخصيصات مهمة ولكنها محدودة
كشف مشروع قانون المالية لعام 2026 في الجزائر عن تخصيص نفقات “مهمة الصحة” بقيمة 1.1 تريليون دينار جزائري (نحو 8 مليارات دولار). على الرغم من أهمية هذا المبلغ، إلا أنه يمثل 6% فقط من إجمالي مخصصات الميزانية البالغة 17.6 تريليون دينار جزائري (135 مليار دولار). يبلغ نصيب الفرد من الإنفاق الصحي في الجزائر 167 دولارًا، مع عدد سكان يقدر بـ 48 مليون نسمة.
قطر: الأعلى في نصيب الفرد
تخصص دولة قطر 25.4 مليار ريال قطري (7.1 مليارات دولار) للإنفاق على قطاع الصحة في ميزانية 2026. تمثل هذه النسبة 11.5% من إجمالي نفقات الدولة البالغة 220.8 مليار ريال قطري (61.8 مليار دولار). بفضل عدد سكانها المحدود الذي يبلغ 3.2 مليون نسمة، تحتل قطر المرتبة الأولى عربيًا من حيث نصيب الفرد من الإنفاق الصحي، حيث يصل إلى 2218 دولارًا.
مصر: تحديات كبيرة في الإنفاق الصحي
بلغ حجم الإنفاق الحكومي على الصحة في مصر في موازنة 2026/2025 نحو 246 مليار جنيه (5.17 مليارات دولار). لكن هذه النسبة تمثل 5.4% فقط من إجمالي الإنفاق العام البالغ 4573 مليار جنيه (96 مليار دولار). مع عدد سكان يتجاوز 110 ملايين نسمة، يبلغ نصيب الفرد من الإنفاق الصحي في مصر 47 دولارًا، وهو الأدنى على مستوى الدول العربية.
سلطنة عمان والمغرب والأردن وتونس: أوضاع متفاوتة
تخصص سلطنة عمان 3.4 مليارات دولار للقطاع الصحي (10.8% من الإنفاق العام)، ويبلغ نصيب الفرد 642 دولارًا. أما المغرب، فيبلغ الإنفاق الصحي 3.9 مليارات دولار (4.7% من الإنفاق العام)، ونصيب الفرد 101 دولار. في الأردن، يبلغ الإنفاق 1.1 مليار دولار (6.9% من الإنفاق العام)، ونصيب الفرد 95 دولارًا. وتخصص تونس 1.5 مليار دولار (5.5% من الإنفاق العام)، ويبلغ نصيب الفرد 125 دولارًا.
العراق ولبنان وسوريا: بيانات محدودة وظروف استثنائية
لا تزال موازنة العراق لعام 2026 غير نهائية، لكن تقديرات الإنفاق على الصحة لعام 2025 تبلغ 3.7 مليارات دولار (2.4% من الإنفاق العام)، ونصيب الفرد 78 دولارًا. في لبنان، لم يتم إقرار موازنة 2026 بعد، لكن الإنفاق المقدر لعام 2025 يبلغ 421 مليون دولار (8.5% من الإنفاق العام)، ونصيب الفرد 72 دولارًا. أما سوريا، فلا تتوفر أرقام رسمية معلنة عن الإنفاق الصحي لعام 2026، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب الأزمة الاقتصادية والظروف الأمنية.
أولويات الإنفاق الصحي: هل المشكلة في الموارد أم الحوكمة؟
تكشف المقارنة عن فجوة واسعة بين الدول العربية في حجم الإنفاق الصحي. يرى الباحث العراقي وسام الكبيسي أن هذه الفجوة لا تعود فقط إلى حجم الموارد المالية، بل تعكس اختلاف ترتيب الأولويات والسياسات العامة. فدول الخليج تولي اهتمامًا كبيرًا بالصحة، بينما قد تتراجع الأولويات في دول أخرى على الرغم من امتلاكها موازنات عامة كبيرة.
مستقبل الإنفاق الصحي في الدول العربية
الإنفاق الحكومي على الصحة هو استثمار في رأس المال البشري، وهو أساس التنمية المستدامة. يجب على الدول العربية أن تولي اهتمامًا أكبر بهذا القطاع الحيوي، وأن تعمل على زيادة الإنفاق الصحي وتحسين جودة الخدمات المقدمة. كما يجب عليها أن تركز على تطوير أنظمة التأمين الصحي، وتوفير الرعاية الصحية الشاملة لجميع المواطنين. إن تحقيق ذلك يتطلب تخطيطًا استراتيجيًا وحوكمة رشيدة، بالإضافة إلى التزام سياسي واجتماعي قوي.


