تتكرر التهديدات وتتبدد النتائج، هذا هو النمط الذي يظهر بوضوح في سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خاصة فيما يتعلق بالرسوم ذات الطابع الجيوسياسي. فهل أصبحت هذه الرسوم مجرد “ضجيج سياسي” كبير دون تحقيق أي نتائج عملية ملموسة؟ هذا ما تكشفه قراءة متأنية لصحيفة “فايننشال تايمز”، والتي ترى أن هذه الأدوات “قصير العمر” غالباً ما تنتهي دون أن تحقق أهدافها المنشودة. هذا المقال يتناول تحليل هذه الظاهرة، ويسلط الضوء على أسباب فشل هذه الاستراتيجية، ويستعرض أمثلة واقعية من سياسات ترمب.
الرسوم الجيوسياسية: تهديدات أم وعود كاذبة؟
التمييز الأساسي الذي يطرحه التحليل هو الفصل بين الرسوم الحمائية التي ترتبط بشكل مباشر بالتجارة والاقتصاد، وتلك التي تستخدم كأداة للضغط السياسي على دول أخرى. بينما حقق ترمب بعض التقدم في تطبيق الرسوم الحمائية التقليدية، مثل رسوم الصلب و”الرسوم المتبادلة”، إلا أن الرسوم ذات الأهداف الجيوسياسية غالباً ما انتهت بالفشل أو بالتراجع السريع بعد فرضها. الهدف من هذه الرسوم هو إجبار دول أخرى على تغيير سياساتها، ولكن النتائج على أرض الواقع تشير إلى عكس ذلك.
سلسلة من التهديدات دون مردود
خلال العام الماضي، أطلق الرئيس ترمب سلسلة من التهديدات بفرض رسوم على دول مختلفة، ولكن هذه التهديدات لم تحقق النتائج المرجوة. دعونا نستعرض بعض الأمثلة:
- كولومبيا: هدد ترمب بفرض رسوم بين 25% و 50% بسبب قضية ترحيل المهاجرين، لكن كولومبيا استمرت في استقبال المرحّلين كما كانت تفعل من قبل.
- دول بريكس: هدد بفرض رسوم 100% على دول مجموعة بريكس بسبب مناقشتها لإطلاق عملة خاصة، لكن هذه المناقشات لم تتوقف.
- فنزويلا: هدد بفرض رسوم 25% على الدول التي تشتري النفط من فنزويلا، لكن الدول استمرت في شراء النفط بشكل مباشر أو غير مباشر.
- البرازيل: هدد بفرض رسوم 40% بسبب سجن الرئيس السابق جايير بولسونارو، لكن بولسونارو بقي في السجن.
- فرنسا: هدد بفرض رسوم 200% على النبيذ الفرنسي بعد رفض الرئيس ماكرون الانضمام إلى “مجلس السلام”، لكن ماكرون ظل على موقفه.
- دول أوروبية: هدد بفرض رسوم بين 10% و 25% بسبب اعتراضها على ضم غرينلاند، لكن الدول استمرت في الاعتراض، وتراجع ترمب عن مطلب الضم.
هذه الأمثلة توضح أن “العائد منخفض جدًا” على التهديدات التي يطلقها ترمب. الرسوم الجيوسياسية أثبتت أنها غير فعالة في تحقيق الأهداف السياسية المنشودة.
لماذا تفشل سياسة الإكراه بالرسوم؟
تطرح “فايننشال تايمز” عدة أسباب لفشل هذه السياسة. أولاً، بعض المطالب التي يطرحها ترمب “غير منطقية أو مستحيلة حرفيًا”، مثل توقع إطلاق عملة موحدة لدول بريكس التي تختلف في توجهاتها السياسية. ثانياً، استخدام الرسوم لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالتجارة هو أمر غير فعال. بالإضافة إلى ذلك، يصف التحليل مواقف ترمب بأنها “غير متسقة”، حيث يهدد بفرض رسوم على دولة ثم يتراجع عن ذلك أو يصبح أكثر ليونة بشكل مفاجئ.
دوافع خاصة ومصالح شخصية
تشير الصحيفة أيضًا إلى أن دوافع ترمب قد تكون مرتبطة أحيانًا بـ”مكاسب خاصة”، مما يجعل التوصل إلى صفقات هادئة “أسهل” من المواجهات العلنية. هذا يعني أن الرسوم قد تستخدم كأداة للمساومة أو لتحقيق أهداف شخصية بدلاً من تحقيق أهداف سياسية واضحة. السياسة التجارية في هذه الحالة تصبح مجرد أداة لتحقيق غايات أخرى.
هل المجابهة هي الحل؟
تخلص “فايننشال تايمز” إلى أن “معظم الأدلة حتى الآن تشير إلى أن مجابهة تهديدات ترمب الجيوسياسية هو الخيار الصحيح”. وبمعنى آخر، فإن الاستمرار في السياسات الحالية وعدم الاستسلام للضغوط هو أفضل طريقة للتعامل مع هذه التهديدات. تستعير الصحيفة تشبيهًا أدبيًا، معتبرة أن التهديدات تبدو أقرب إلى وعود جوفاء، فيما يظل السؤال المطروح: إلى متى يستمر هذا النمط؟
النمط المتكرر للتهديدات بالرسوم الجيوسياسية، ثم التراجع عنها أو عدم تحقيقها لأي نتائج ملموسة، يوحي بأن هذه الاستراتيجية غالبًا ما تنتهي بالفشل. التحليل الاقتصادي يشير إلى أن هذه السياسات تضر بالاقتصاد العالمي وتزيد من حالة عدم اليقين. والاختبار التالي، وفقًا للصحيفة، يتمثل في تهديده لكندا بسبب علاقاتها مع الصين. يبقى المشهد مفتوحًا على فصول جديدة من التصعيد الكلامي، ولكن حتى الآن، يبدو أن المجابهة هي أفضل استراتيجية للتعامل مع هذه التهديدات.


