في ختام عام شهد تقلبات اقتصادية وسياسية حادة، تدخل الولايات المتحدة والصين عام 2026 في ظل هدنة تجارية هشة. هذه الهدنة، التي بدت في ظاهرها مجرد وقف لتصعيد الرسوم الجمركية، تخفي خلفها ملفات خلافية متعددة قد تشتعل في أي لحظة، مُلقية بظلال من الشك على مستقبل العلاقة الاقتصادية الأهم في العالم. بالرغم من التفاهمات الأخيرة، يبقى الوضع محفوفًا بالمخاطر، ويستدعي تحليلًا معمقًا للعوامل المؤثرة. هذا ما سنستعرضه في هذا المقال، بالإضافة إلى نبرز التحولات المحتملة في العلاقات التجارية الأمريكية الصينية خلال العام القادم، مع التركيز على التحديات الأمنية و سلاسل الإمداد.
الهدنة التجارية الهشة: نظرة عامة على الوضع الحالي
الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في أكتوبر الماضي، وإن كان قد أوقف الزيادة الأخيرة في الرسوم الجمركية، إلا أنه لم يعالج الأسباب الجذرية للتوتر التجاري بين البلدين. وكالة بلومبيرغ أشارت في تقرير حديث إلى أن هذا التوقف المؤقت يبدو أشبه بهدنة تكتيكية، أكثر من كونه حلاً استراتيجيًا دائمًا. تظل الشكوك قائمة حول قدرة هذه الهدنة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة.
تحديات مستمرة: قيود على تصدير الأرض النادرة وتوترات في المحيط الهندي
لا تزال الصين تفرض قيودًا على تصدير عناصر الأرض النادرة، وهي مواد حيوية تدخل في صناعة المغناطيسات الدائمة والمنتجات الصناعية المتقدمة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بشكل كبير. هذا التقييد، رغم الاتفاق المعلن على تخفيفه، يمثل نقطة ضغط مستمرة على واشنطن.
إضافة إلى ذلك، أعربت بكين عن استيائها بشكل متزايد من العلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة والهند، واعتبرت بعض التحركات الأمريكية بمثابة “تدخل غير مسؤول” في الشؤون الإقليمية. هذه التوترات في المحيط الهندي تضيف بُعدًا جديدًا من التعقيد على المشهد الجيوسياسي.
الملف الأمني: صفقات السلاح مع تايوان والإجراءات المضادة
يتصاعد التوتر الأمني بين البلدين، حيث أعلنت الصين عن فرض عقوبات على 20 شركة دفاع أمريكية و 10 مسؤولين تنفيذيين، وذلك ردًا على أحدث صفقات السلاح بين الولايات المتحدة وتايوان. ورغم أن هذه العقوبات وصفها البعض بأنها “رمزية”، إلا أنها تؤكد على حساسية قضية تايوان، والتي تعتبرها بكين إقليمًا منشقًا. وبالتوازي مع ذلك، تتهم الولايات المتحدة الصين بمواصلة بناء قدراتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي، مما يزيد من المخاوف الأمنية.
أشباه الموصلات: حرب باردة تكنولوجية تتطور ببطء
قطاع أشباه الموصلات يشكل جبهة رئيسية أخرى في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. اتهمت واشنطن بكين بممارسات تجارية غير عادلة في هذا القطاع، لكنها امتنعت عن فرض رسوم إضافية على واردات الرقائق حتى منتصف عام 2027 على الأقل. بينما ردت بكين معارضة نتائج التحقيق الأمريكي في هذا الشأن، ورفضت أي رسوم على منتجات الرقائق الصينية.
تحصين سلاسل الإمداد: استراتيجية صينية محتملة
في محاولة لتقليل اعتمادها على الغرب، تستعد الصين لتعزيز الدعم المالي لشبكة لوجستية جديدة تربط غرب الصين بجنوب شرق آسيا عبر مسارات سكك حديدية وبحرية. هذه الخطوة تهدف إلى تحصين سلاسل الإمداد الصينية، وتأمين تدفق السلع والمواد الحيوية في ظل التوترات الجيوسياسية. هذا التحول قد يقلل من تأثير أي عقوبات مستقبلية على الاقتصاد الصيني.
“التكلفة الحقيقية” للحرب التجارية: تقييم أمريكي متزايد
يشهد المجتمع الأمريكي نقاشًا متزايدًا حول “التكلفة الحقيقية” للحرب التجارية مع الصين. كشفت مقابلات أجرتها بلومبيرغ مع شركات أمريكية أن الرسوم الجمركية قد أثرت سلبًا على أرباحها، وزادت من عبء التكاليف على المستهلكين. هذا الواقع يدفع بعض المسؤولين الأمريكيين إلى إعادة النظر في استراتيجية التصعيد التجاري.
2026: هل ستصمد الهدنة التجارية؟
تُبقي الهدنة الحالية على الرسوم الجمركية مجمدة، لكنها لا تعالج جذور النزاع المعقدة، والتي تشمل التكنولوجيا المتقدمة، والأمن الإقليمي، والمواد الاستراتيجية. السؤال المطروح الآن هو: هل ستصمد هذه الترتيبات المؤقتة أمام الضغوط المتزايدة من قضايا تايوان والأرض النادرة وأشباه الموصلات؟ أم أن العام الجديد سيشهد عودة تدريجية للاهتزاز في أكبر علاقة تجارية في العالم؟
مستقبل العلاقات التجارية الأمريكية الصينية يتوقف على قدرة الطرفين على إدارة هذه التحديات المعقدة، وتعزيز الحوار والتفاهم المتبادل. يبقى المستثمرون وصناع السياسات في حالة ترقب لمعرفة كيف ستتطور الأمور خلال عام 2026، وما إذا كانت هذه الهدنة ستتحول إلى أساس لعلاقة تجارية أكثر استقرارًا واستدامة.
للمزيد من المعلومات حول التوترات التجارية العالمية، يمكنك زيارة موقع بلومبيرغ (هذا رابط مثال، يرجى استبداله بروابط موثوقة ذات صلة).


