تُحدث الرعاية الصحية الذكية ثورة في طريقة اكتشاف الأمراض والوقاية منها، متجاوزةً المفاهيم التقليدية للفحوصات الطبية الدورية. لم تعد الأدوات المتاحة تقتصر على الساعات والأساور الذكية، بل امتدت لتشمل تقنيات متطورة قادرة على رصد نشاط الدماغ وتحليل قزحية العين للكشف عن مؤشرات مبكرة لأمراض خطيرة. هذا التطور يفتح آفاقًا جديدة للطب الوقائي، ويعد بتغيير جذري في مستقبل الصحة.
مستقبل الطب الوقائي: من الفحوصات الدورية إلى المراقبة المستمرة
لطالما كان الطب الوقائي حجر الزاوية في الحفاظ على الصحة العامة، إلا أن تطبيقه الفعلي يواجه تحديات. يرى رامسيس ألكايد، الرئيس التنفيذي لشركة “نيورابل” الناشئة، أن المشكلة تكمن في تردد الكثيرين في زيارة الطبيب بانتظام لإجراء الفحوصات الروتينية. “ماذا لو عرف الناس بالضبط متى يحتاجون إلى ذلك؟” هذا السؤال هو الدافع وراء تطوير هذه التقنيات الجديدة التي تهدف إلى توفير تقييم صحي مستمر وشخصي. الهدف ليس استبدال الأطباء، بل تزويدهم – والمرضى – بمعلومات أكثر دقة وفي الوقت المناسب لاتخاذ قرارات أفضل.
الأجهزة الذكية: مراقبة صحية شاملة
شهد معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس عرضًا مبهرًا لمجموعة متنوعة من الأجهزة الذكية القادرة على مراقبة المؤشرات الحيوية. تتراوح هذه الأجهزة بين الخواتم والأساور والساعات، وتختلف في دقة قياسها لمعدل ضربات القلب، وضغط الدم، ومستويات السكر في الدم. هذا التنوع يلبي احتياجات مختلفة، ويقدم للمستخدمين خيارات متعددة لمتابعة صحتهم.
وبالتوازي مع ذلك، يزداد الإقبال على استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاستشارات الصحية. أظهرت دراسة حديثة لشركة (أوبن إيه آي) أن أكثر من 200 مليون مستخدم للإنترنت يستشيرون “تشات جي بي تي” أسبوعيًا بشأن قضايا صحية. استجابةً لهذا الطلب المتزايد، أطلقت الشركة تطبيق “تشات جي بي تي هيلث”، الذي يعتمد على السجلات الطبية الشخصية (بموافقة المستخدم) وبيانات الأجهزة المتصلة لتقديم استشارات صحية مخصصة.
رصد نشاط الدماغ: كشف مبكر للأمراض العصبية
تعتبر شركة “نيورابل” من الشركات الرائدة في مجال الرعاية الصحية الذكية القائمة على تحليل نشاط الدماغ. قامت الشركة بتطوير سماعة رأس تعتمد على تقنية التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) لتسجيل وتحليل النشاط الكهربائي للدماغ. النموذج الحالي قادر على رصد تباطؤ النشاط الدماغي واقتراح فترات راحة للمستخدم، مما يساعد على تحسين التركيز والأداء.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل “نيورابل” على تطوير نسخة متقدمة من السماعة تستهدف تحسين أداء لاعبي الألعاب الإلكترونية. وتتميز هذه النسخة بقدرتها على مقارنة البيانات الحالية بسجل المستخدم الصحي، مما قد يكشف عن أي انحرافات تشير إلى مشكلات صحية محتملة. ويؤكد ألكايد أن هذه التقنية لا تهدف إلى التشخيص الطبي، بل إلى تقديم إنذار مبكر قد ينبه المستخدم إلى احتمالات الإصابة بالاكتئاب أو ألزهايمر أو أمراض أخرى.
تطبيقات أخرى واعدة في مجال الرعاية الصحية الذكية
لا يقتصر التقدم في الرعاية الصحية الذكية على رصد نشاط الدماغ. فشركة (ناوكس) الفرنسية الناشئة طورت سماعات تعتمد على التخطيط الكهربائي للدماغ، متصلة بجهاز صغير مخصص لمرضى الصرع. يرصد هذا الجهاز نبضات كهربائية قصيرة وغير طبيعية في الدماغ تُعرف باسم “سبايكس”، وهي مؤشرات على الصرع غالبًا ما تكون أصعب في الكشف من النوبات نفسها. وقد حصلت سماعات “ناوكس” على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وتُستخدم بشكل أساسي أثناء الليل لجمع البيانات. كما تتعاون الشركة مع مستشفيات باريس لدراسة العلاقة بين هذه النبضات ومرض ألزهايمر.
وفي مجال مختلف، تستعد شركة (إيريهيلث) لطرح ملحق صغير للهواتف الذكية بسعر معقول (حوالي 50 دولارًا) لتصوير قزحية العين. يعتمد هذا الجهاز على تقنية “علم القزحية”، التي تثير بعض الجدل العلمي، لكن مؤسسي الشركة يؤكدون فعاليتها في الكشف عن اضطرابات في القولون، مع خطط مستقبلية لتوسيع نطاق استخدامها لتشمل الرئتين والكبد. وقد أظهرت الاختبارات التي أجرتها الشركة دقة بلغت 81% لدى مرضى تم تشخيصهم مسبقًا بسرطان القولون.
تحديات ومستقبل الرعاية الصحية الذكية
على الرغم من الإمكانات الهائلة التي تحملها الرعاية الصحية الذكية، إلا أن هناك بعض التحفظات العلمية التي يجب أخذها في الاعتبار. تؤكد الأستاذة آنا ويكسلر من جامعة بنسلفانيا على عدم وجود “ثقة كافية” حاليًا في قدرة أجهزة تخطيط الدماغ الكهربائية المخصصة للاستخدام الشخصي على رصد علامات الأمراض بدقة. ومع ذلك، فهي تقر بأن الذكاء الاصطناعي قد “وسع قدرات هذه الأجهزة”.
بالإضافة إلى ذلك، تتعاون “نيورابل” مع الجيش الأوكراني لتقييم الصحة النفسية للجنود العائدين من الجبهة وأسرى الحرب، والكشف عن احتمالات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة. هذا التعاون يسلط الضوء على الاستخدامات المحتملة لهذه التقنيات في المجالات العسكرية والإنسانية.
بشكل عام، تشير التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى إمكانية تصغير أجهزة الكشف الطبي والاستغناء عن المعدات الثقيلة المستخدمة في العيادات والمستشفيات، مع توفيرها بأسعار أقل. هذا قد يفتح الباب أمام تعميم الكشف المبكر عن الأمراض على نطاق أوسع، وتحسين جودة الحياة للملايين من الناس. الاستثمار في البحث والتطوير، وضمان دقة وموثوقية هذه التقنيات، وتنظيم استخدامها بشكل أخلاقي، هي خطوات أساسية لتحقيق هذا الهدف. الطب الشخصي (Personalized medicine) والوقائي (Preventive medicine) هما الوجه الجديد للرعاية الصحية، والذكاء الاصطناعي هو المحرك الرئيسي لهذا التحول.


