في السابق، كان تشخيص اللوكيميا بمثابة حكم بالإعدام، ولكن لحسن الحظ، شهد علاج هذا المرض تحولات جذرية خلال العقود الماضية. هذا التغيير الملحوظ ليس مجرد تقدم طبي، بل هو قصة أمل وتصميم، مدفوعة بجهود باحثين متميزين مثل البروفيسور هاغوب كانتارجيان، الذي كُرم مؤخرًا بجائزة الحسين لأبحاث السرطان لعام 2025 تقديرًا لإسهاماته الجليلة في فهم وعلاج هذا المرض. هذا المقال يستعرض التطورات الهائلة في علاج اللوكيميا، وكيفية تطور المرض، وأحدث العلاجات المتاحة، مستندين إلى حوار خاص مع البروفيسور كانتارجيان.
كيف تغير علاج اللوكيميا على مر السنين؟
البروفيسور كانتارجيان، الأستاذ في قسم أورام الدم في مركز “إم دي أندرسون للسرطان” بجامعة تكساس، يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 40 عامًا في مجال أبحاث الدم. يشير إلى أن الوضع كان قاتمًا في بداية مسيرته المهنية عام 1981. فسرطان الدم الليمفاوي المزمن (CLL) وسرطان الدم النقوي المزمن (CML) كانا يعتبران غير قابلين للشفاء، بينما كان سرطان الدم الليمفاوي الحاد (ALL) وسرطان الدم النقوي الحاد (AML) يحققان معدلات شفاء متواضعة تتراوح بين 20-30% فقط، وذلك باستخدام العلاج الكيميائي الشديد السمية.
ولكن، اليوم، الوضع مختلف تمامًا. ففي حالة سرطان الدم النقوي المزمن (CML)، أصبح العلاج الفعال متاحًا على شكل أقراص، مع ستة أنواع مختلفة من مثبطات التايروسين كيناز (TKIs). أما سرطان الدم الليمفاوي المزمن (CLL)، فيمكن التغلب عليه باستخدام نوعين من الأدوية الفموية التي تُعطى لمدة عامين، وهما مثبط البروتون تيروزين كيناز (BTK) ودواء (Venetoclax). بالنسبة لمرضى سرطان الدم الليمفاوي الحاد (ALL) لدى البالغين، ارتفعت نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة 5 سنوات بشكل ملحوظ لتصل إلى 85-90% بفضل العلاجات الموجهة الجديدة. وحتى في حالة سرطان الدم النقوي الحاد (AML)، ازدادت احتمالية البقاء على قيد الحياة لمدة 5 سنوات.
ما هي اللوكيميا وكيف تحدث؟
اللوكيميا هي مجموعة من سرطانات الدم التي تؤثر على نخاع العظام، وهو المكان الذي يتم فيه إنتاج خلايا الدم. تتميز اللوكيميا بإنتاج خلايا دم بيضاء غير طبيعية لا تعمل بشكل صحيح. معظم أسباب حدوث اللوكيميا لا تزال غير معروفة، ولكن هناك بعض العوامل التي قد تساهم في تطورها، مثل التقدم في العمر، والتعرض للعلاج الإشعاعي، والمواد الكيميائية السامة، وبعض أدوية العلاج الكيميائي. في حوالي 10% من حالات سرطان الدم النقوي الحاد (AML)، قد يكون هناك تاريخ عائلي للمرض، بينما لا توجد عوامل خطورة معروفة لسرطان الدم النقوي المزمن (CML).
الفئات الأكثر عرضة للإصابة باللوكيميا
تزداد احتمالية الإصابة بسرطان الدم الليمفاوي المزمن (CLL) وسرطان الدم النقوي الحاد (AML) مع التقدم في العمر. كما أن التعرض للمواد السامة والمواد الكيميائية يزيد من خطر الإصابة بـ اللوكيميا. أما سرطان الدم الليمفاوي الحاد (ALL) فهو أكثر شيوعًا في منطقتي الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية مقارنة بالولايات المتحدة، ربما بسبب عوامل بيئية غير محددة حتى الآن.
أحدث علاجات اللوكيميا المتاحة
شهدت علاجات اللوكيميا تطورات هائلة في السنوات الأخيرة. في سرطان الدم النقوي المزمن (CML)، أحدثت مثبطات (BCR::ABL1) من فئة (TKIs) ثورة حقيقية، حيث أدت إلى السيطرة الوظيفية على المرض. ويجري حاليًا تطوير أدوية جديدة واعدة. أما في سرطان الدم الليمفاوي المزمن (CLL)، فقد أحدث الجمع بين مثبطات (BTK) ودواء (Venetoclax) نقلة نوعية، حيث تحول المرض من حالة غير قابلة للشفاء إلى حالة يمكن شفاؤها بنسبة عالية، مع وصول نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة 5 سنوات إلى 97% في الدراسات الحديثة.
بالنسبة لسرطان الدم الليمفاوي الحاد (ALL)، فقد أدت العلاجات الموجهة مثل (Blinatumomab) و(Inotuzumab)، بالإضافة إلى استخدام العلاج بالخلايا التائية (CART)، إلى تحسينات كبيرة في نتائج العلاج. وفي حالة سرطان الدم النقوي الحاد (AML)، أظهرت الأدوية الموجهة مثل (Venetoclax) ومثبطات (FLT3) و(IDH) و(Menin) تحسنًا ملحوظًا في معدلات البقاء على قيد الحياة. تعتبر هذه العلاجات الموجهة، التي تستهدف نقاط الضعف المحددة في الخلايا السرطانية، شكلاً مبتكرًا من أشكال علاج السرطان.
دور جائزة الحسين لأبحاث السرطان
تلعب جائزة الحسين لأبحاث السرطان دورًا حيويًا في دعم الأبحاث المتعلقة بالسرطان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة غيداء طلال، أصبح مركز الحسين للسرطان رائدًا في علاج السرطان في المنطقة. تهدف الجائزة إلى تكريم العلماء الرياديين في مجال أبحاث السرطان، وتشجيعهم على مواصلة جهودهم لإيجاد علاجات جديدة وفعالة. كما تساهم الجائزة في توسيع قاعدة الباحثين الأكاديميين من أصول عربية، سواء في الدول العربية أو حول العالم.
في الختام، إن التقدم في علاج اللوكيميا هو شهادة على قوة البحث العلمي والتفاني في خدمة المرضى. مع استمرار الأبحاث والتطورات، يمكننا أن نتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقًا للمرضى المصابين بهذا المرض. لمعرفة المزيد عن أحدث التطورات في علاج اللوكيميا، يرجى استشارة أخصائي الرعاية الصحية.



