في ظل استمرار الأوضاع الصعبة التي يمر بها اليمن، يشهد عدد مرضى السرطان في اليمن ارتفاعًا مقلقًا، الأمر الذي يضع ضغوطًا هائلة على النظام الصحي المتهالك. هذا الارتفاع يأتي بالتزامن مع استمرار الصراع وتداعياته على الظروف المعيشية والصحية للسكان، مما يجعل مكافحة هذا المرض تحديًا إنسانيًا معقدًا. تشير الإحصائيات إلى تسجيل ما لا يقل عن 30 ألف حالة إصابة سنويًا، وهو رقم مرعب يفاقم معاناة شعب يعاني بالفعل من ويلات الحرب.
اهتمام حكومي ومبادرات توعوية
في بداية شهر فبراير الحالي، أطلق البرنامج الوطني لمكافحة السرطان في عدن فعاليات الأسبوع الخليجي الحادي عشر للتوعية بالأمراض السرطانية. تهدف هذه الفعاليات، التي تستمر حتى السابع من فبراير، إلى نشر الوعي الصحي، وتوفير معلومات حول الخدمات التشخيصية والعلاجية المتاحة، وتشجيع تبني أنماط حياة صحية للحد من خطر الإصابة.
أكد البرنامج الوطني لمكافحة السرطان على استمراره في دعم الجهود المبذولة لمكافحة هذا المرض، وتطوير الخدمات الصحية المقدمة للمرضى، والعمل على خفض معدلات الإصابة والوفيات، بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية الوطنية. هذه المبادرات التوعوية تعتبر خطوة إيجابية، لكنها تبقى غير كافية في ظل حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي.
تحديات تفاقم معاناة مرضى السرطان
مع استمرار الأوضاع الراهنة، يزداد قلق الناشطين في مجال مكافحة السرطان. يمثل تزايد أعداد المصابين قضية مؤرقة، ويكشف عن فجوة كبيرة بين الواقع وما هو مطلوب لمواجهة هذا التحدي.
يقول ذاكر العبسي، نائب مدير المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، إن التحديات الرئيسية تكمن في توفير الأدوية، وتشخيص الحالات في وقت مبكر. فالعديد من المرضى لا يتمكنون من الحصول على العلاج المبكر بسبب عدم قدرتهم المادية على تحمل تكاليف التشخيص أو الوصول إلى المراكز المتخصصة في المدن البعيدة.
ويضيف العبسي أن المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان تقدم خدماتها لأكثر من 20 ألف حالة، نصفهم يتلقون العلاج في المركز الرئيسي بصنعاء، والنصف الآخر في فروع أخرى. لكن توفير الأدوية يظل عائقًا كبيرًا، حيث تتوفر حاليًا 6 أصناف فقط من الأدوية الموجهة، بتكلفة شهرية تبلغ 20 مليون ريال، ويتم الحصول عليها بصعوبة بالغة.
مستشفى الأمل: بصيص أمل في صنعاء
في صنعاء، أنشأت المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان مستشفى الأمل للأورام، وهو المستشفى الوحيد المتخصص في جراحة الأورام السرطانية في اليمن. منذ افتتاحه في ديسمبر 2024، أجريت فيه 1321 عملية جراحية.
بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء مركز للرعاية الاجتماعية بسعة 120 سريرًا، يقدم خدماته للنساء والأطفال القادمين من المناطق النائية، الذين يعجزون عن تحمل نفقات العلاج والإقامة في صنعاء. هذا المركز يوفر خدمات الفحص والأشعة والاستشارات المتخصصة، والتي غالبًا ما تكون غير متوفرة في المناطق الأخرى.
إحصائيات مفزعة: أرقام تتحدث عن كارثة
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الإصابات السنوية بالسرطان في اليمن لا يقل عن 30 ألف حالة. وهذا يعني أن هناك حوالي 330 ألف إصابة خلال سنوات الصراع منذ 2014. وبمعدل وفيات لا يقل عن 12 ألف شخص سنويًا، فإن الحصيلة الإجمالية تصل إلى 132 ألف وفاة، وهو رقم يقارب إحصائيات ضحايا الحرب.
أكد وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم بحيبح أن انتشار السرطان بلغ مستويات كبيرة، وهو واقع يضاعف التحديات التي تواجه القطاع الصحي. تزامن هذا التصريح مع إطلاق الوزارة “الإستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان للفترة 2025-2030″، والتي تتضمن إجراءات ذات أولوية للحد من انتشار المرض.
اليود المشع: مطلب إنساني ملح
يشدد نائب مدير المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان على أهمية توفير “اليود المشع” الخاص بتشخيص الغدة الدرقية، والذي أصبح نادرًا في المراكز المتخصصة في اليمن. يضطر المرضى للسفر إلى مصر أو دول أخرى للحصول عليه، مما يشكل عبئًا ماليًا إضافيًا عليهم.
ويؤكد رئيس رابطة مرضى السرطان حميد علي اليادعي أن جميع الأدوية، سواء الكيميائية أو الداعمة، تعتبر أساسية للمريض، إلى جانب العلاج الجراحي والإشعاعي. ويطالب بإعادة تشغيل مطار صنعاء لتسهيل استيراد الأدوية والعلاجات الضرورية.
الخلاصة: أولوية إنسانية ملحة
باختصار، استمرار الصراع والحرب يضاعف معاناة مرضى السرطان في اليمن وذويهم، خاصة الفقراء منهم. هذا يعزز الحاجة إلى أن يكونوا محل اهتمام حقيقي وأولوية إنسانية من جميع الجهات المعنية، محليًا ودوليًا. على الرغم من الجهود المبذولة، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين احتياجات المرضى وما يتم تقديمه لهم، وفي مقدمته توفير الأدوية اللازمة وتيسير وصول العلاج. إن دعم مرضى السرطان في اليمن ليس مجرد واجب إنساني، بل هو استثمار في مستقبل صحي لشعب يمني يستحق الحياة الكريمة.


