تفتح تلميحات الرئيس الأمريكي حول إسناد مهمة التعامل مع حزب الله إلى دمشق نافذة لفهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة. إن طرح فكرة “تعامل دمشق مع حزب الله” يعيد ترتيب الأوراق بالنسبة للبنان وسوريا والفاعلين الإقليميين، ويجبر الأطراف على إعادة تقييم مواقفها في ضوء توازنات جديدة ومصالح متبادلة.
## خلفيات مقترح تعامل دمشق مع حزب الله
تصريحات الرئيس الأمريكي جاءت في سياق محاولات لإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية، وقد سبق تداول الفكرة عبر مبعوثين أمريكيين مثل توم براك. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الطرح ليس بالضرورة خطة تنفيذية، بل جزء من “عصف أفكار” في البيت الأبيض لاستغلال أدوات تفاوضية ضد إيران وحلفائها.
### أدوات تفاوض وضغوط إيرانية
بالتوازي، اعتبر مسؤولون سابقون في واشنطن أن الطرح يمثل طلبًا مفاوضيًا لخلق نقاط ضغط على طهران وحزب الله، بهدف دفع تفاهمات أوسع للدخول حيز التطبيق. ومع ذلك، ومن الناحية العملية، فإن أي خيار يعتمد على التدخل العسكري المباشر يواجه كلفة مالية وسياسية ضخمة، فضلاً عن غياب موافقات إقليمية مثل الموافقة التركية أو العربية.
## موقف دمشق واستراتيجيتها: البديل التنموي
من منظور دمشق، يؤدي التركيز على “تعامل دمشق مع حزب الله” إلى إعادة رسم دورها الإقليمي بطريقة مغايرة عن تصورات الماضي. وفق محللين سوريين، نجحت السلطات في إعادة تأسيس سيطرةٍ داخلية بفعل دمج الفصائل ضمن مؤسسات الدولة، ما جعل لدى النظام أوراق نفوذ جديدة على الساحة اللبنانية.
### مشاريع تكاملية كأدوات تأثير
بدلاً من خيار الحرب، تعتمد دمشق على مشاريع تكامل اقتصادي وبنى تحتية—كالربط السككي وخطوط الطاقة والغاز والاتصالات—لإعادة بناء الروابط مع لبنان والعراق. وبالإضافة إلى ذلك، تشترط دمشق حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها كشرط لأي تعاون مستقبلي، وليست مصلحة دمشق في إعادة إنتاج تدخل طائفي كما حدث في الماضي.
## عوائق داخلية وإقليمية أمام الدور السوري
رغم الطموحات، يبرز عدد من المعوقات التي تحول دون تحقق دور سوري موسع في لبنان حتى لو تم الاتفاق السياسي الدولي على ذلك. أولاً، يواجه النظام السوري تحديات داخلية ملحة تتعلق بالأكراد والدرر والرغبة في استقرار المناطق المختلفة، وهذا يقيد قدرته على الانخراط بدور وكيل لواشنطن أو لإدارة احتواء حزب الله.
ثانياً، هناك اعتبارات إقليمية: تركيا والسعودية وإسرائيل وحتى الفاعلين الأوروبيين لهم مواقف وعمق مصالح تجعل أي نقل دور أمني أو عسكري إلى دمشق أمراً معقداً. علاوةً على ذلك، تواجه فكرة نزع السلاح الكامل لحزب الله معوقات عملية وسياسية، وبالتالي فمن المرجح أن تظل الحلول جزئية ومتدرجة، تُدار ضمن ترتيبات دولية وهشّات.
## سيناريوهات محتملة وآفاق التفاوض
بالنظر إلى المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية هو إطار تفاوضي يجمع أدوات ضغط أمريكية وإيرانية ومحلية لفرض ترتيبات تبقي حزب الله بعيداً عن مناطق حدودية حساسة، مع منح دمشق دور وساطة أو شريك للتنفيذ السياسي والاقتصادي. وفي هذا الإطار قد تبرز الوساطة السورية كعنصر لتثبيت تفاهمات على الأرض، لكن دون أن تعني ذلك نزع سلاح حزب الله الكامل في المدى القريب.
## خاتمة
في الختام، يظل ملف تعامل دمشق مع حزب الله محوراً لاختبار توازنات إقليمية ودولية جديدة. بينما يقترح البعض مقاربات تفاوضية قائمة على الضغوط الاقتصادية والسياسية، يؤكد آخرون أن الحلول الجذرية تتطلب ترتيبات إقليمية معقدة ووقتاً لإعادة بناء المؤسسات اللبنانية. ندعو القراء لمتابعة التطورات ومشاركة آراءهم: هل ترى أن الوساطة السورية قادرة على حلحلة ملف حزب الله أم أن الحل يبقى بعيد المدى؟



