مع بداية العام الميلادي الجديد، تتصاعد وتيرة التوترات في مدينة القدس المحتلة، وتحديداً حول المسجد الأقصى المبارك، حيث استمرت اقتحامات المستوطنين بشكل ملحوظ. هذا التطور المقلق يأتي في ظل محاولات مستمرة لتغيير الطابع الديني والتاريخي للمقدسات الإسلامية، ويزيد من المخاوف بشأن مستقبل المنطقة. شهد يوم الخميس اقتحام 201 مستوطن للمسجد، مقسمة على فترتين صباحية ومسائية، وسط حماية أمنية مشددة من قبل شرطة الاحتلال.
اقتحامات الأقصى تتواصل وتزيد من حدة التوتر
لم تتوقف اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى حتى مع حلول العام الجديد. بل ازدادت شراسة وتكراراً. يقوم المستوطنون، بحماية قوات الشرطة الإسرائيلية، بجولة داخل باحات المسجد، وأداء شعائرهم الدينية والصلوات التوراتية في المكان، الأمر الذي يعتبر استفزازاً للمشاعر الإسلامية واستخفافاً بالمقدسات.
غياب الرقابة وتسهيل الاقتحامات
تتسم اقتحامات المستوطنين بغياب الرقابة الفعالة من قبل شرطة الاحتلال، التي تتغاضى عن سلوكياتهم الاستفزازية وتوفر لهم الحماية اللازمة. هذا التغاضي يُفسَّر على أنه دعم ضمني لمخططاتهم الهادفة إلى فرض السيطرة على المسجد الأقصى. الوضع الحالي يثير قلقاً بالغاً لدى الفلسطينيين والعالم الإسلامي، ويطرح تساؤلات حول جدية الجهود المبذولة لحماية المقدسات.
إبعاد جمال عمرو وتضييق الخناق على المرابطين
في سياق متصل، أصدرت مخابرات الاحتلال قراراً بإبعاد الأكاديمي المتخصص في شؤون القدس، جمال عمرو، عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع قابلة للتجديد. هذا الإبعاد ليس الأول من نوعه، حيث سبق وأن أبعدت السلطات الإسرائيلية الدكتور عمرو عن المسجد عدة مرات.
هذه الإجراءات تأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تضييق الخناق على المرابطين والناشطين الذين يسعون للدفاع عن المسجد الأقصى وحماية هويته الإسلامية. ويضاف الدكتور عمرو إلى قائمة طويلة من الفلسطينيين الذين تم إبعادهم عن الأقصى خلال عام 2025، والتي بلغت 159 مواطناً، وذلك بهدف “ضمان اقتحامات هادئة” للمستوطنين، وهو ما يعكس ازدواجية المعايير لدى الاحتلال.
مصادرة الأراضي في حي البستان وتوسيع المستوطنات
لم تقتصر التهديدات على المسجد الأقصى، بل امتدت لتشمل الأحياء المحيطة به. فقد اقتحمت طواقم بلدية الاحتلال حي البستان في القدس، وهو الحي الذي شهد عملية هدم واسعة النطاق قبل أيام قليلة، وأخطرت السكان بقرار مصادرة 5.7 دونمات من الأراضي.
تذرع الاحتلال بحجة إنشاء موقف للسيارات وتنسيق مسارات حدائق على هذه المساحة، مدعياً أنها “أرض فارغة”. إلا أن أهالي الحي المهددين بالتهجير يؤكدون أن هذه الأرض لم تكن فارغة قبل هدم منازلهم، وأن هذه الإجراءات تأتي في إطار مخطط أوسع لتهويد المدينة وإقامة “حديقة قومية” باسم “حديقة الملك” على أنقاض منازلهم. هذا التوسع الاستيطاني يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
اعتداءات وادي الربابة وتصاعد الممارسات الاستفزازية
في منطقة قريبة، تحديداً في حي وادي الربابة، جدد المستوطنون اعتداءاتهم على أراضي الفلسطينيين. بدأ المستوطنون في أعمال زراعة وتنسيق حدائق في بعض الأراضي، وسط استفزازات لأصحابها الأصليين. هذا التصعيد يأتي بعد أن قامت بلدية الاحتلال في شهر يناير/كانون الثاني من عام 2025، بتركيب لافتات مماثلة في أراضي الحي، معلنة عن نية سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية تنفيذ أعمال بستنة وتشجير في المنطقة.
هذه الممارسات الاستفزازية، التي تترافق مع تهديد بإخلاء المنازل ومصادرة الأراضي، تهدف إلى تثبيت واقع جديد في القدس المحتلة، وتقويض الحق الفلسطيني في المدينة. الوضع في وادي الربابة يعكس حالة القلق والتوتر التي يعيشها الفلسطينيون في القدس بسبب تصاعد المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمدينة.
مستقبل القدس والمخاوف من التصعيد المستمر
تعتبر هذه التطورات تصعيداً خطيراً في الممارسات الإسرائيلية تجاه القدس المحتلة والمسجد الأقصى. الاستمرار في اقتحامات الأقصى، وإبعاد المرابطين، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، يهدد باندلاع مواجهات واسعة النطاق، وتقويض أي فرصة لتحقيق سلام دائم في المنطقة. يتطلب هذا الوضع تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الممارسات، وضمان حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحقوق الفلسطينيين في مدينتهم.
إن الحفاظ على هوية القدس والمسجد الأقصى يمثل أولوية قصوى ليس فقط للفلسطينيين، بل للعالم الإسلامي بأسره. يجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه حماية هذه المقدسات، وضمان حقوق الفلسطينيين في العيش بكرامة وأمان في مدينتهم. نأمل أن يشهد العام الجديد جهوداً مضاعفة لحماية المسجد الأقصى ووضع حد للتصعيد الإسرائيلي المستمر.



