في خضم الأحداث المتسارعة في غزة وإيران، أثار تصريح لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عاصفة من الانتقادات والجدل حول حرية الصحافة ومعاييرها. ففي الوقت الذي تتزايد فيه التقارير التي تشير إلى استهداف الصحفيين في غزة، وجه ساعر انتقادات حادة لقناة الجزيرة، معربًا عن قلقه بشأن تغطيتها للأحداث في إيران. هذا التناقض الصارخ بين الواقع الميداني والخطاب السياسي الإسرائيلي فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول دوافع هذه التصريحات ومصداقية الادعاءات المتعلقة بحرية الإعلام.
تصريحات ساعر المثيرة للجدل وتوقيتها
نشر جدعون ساعر عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي صورة مأخوذة من بث قناة الجزيرة الإنجليزية أثناء تغطيتها لتطورات الأوضاع في إيران، وعلق عليها بعبارة لاقت انتشارًا واسعًا: “ظلام لشعب إيران، وضوء أخضر للجزيرة”. هذه العبارة، بالإضافة إلى تساؤلاته حول كيفية استمرار القناة في البث المباشر من طهران في ظل انقطاع الإنترنت والكهرباء، حملت اتهامًا مبطنًا للقناة بالتحيز للنظام الإيراني والتضخيم من دعايته.
التوقيت الذي اختاره ساعر لإطلاق هذه التصريحات، بالتزامن مع استمرار الحرب في غزة وارتفاع عدد الصحفيين الفلسطينيين والعرب الذين سقطوا ضحية القصف الإسرائيلي، زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليه. فالعديد اعتبروا أن هذه التصريحات محاولة لصرف الانتباه عن سجل إسرائيل في انتهاك حقوق الصحفيين وتقييد عملهم.
ردود الفعل الغاضبة من الصحفيين والناشطين
لم تمر تصريحات ساعر مرور الكرام، بل أثارت موجة غضب عارمة بين الصحفيين والناشطين والمتابعين على منصات التواصل الاجتماعي. برنامج “هاشتاغ” على الجزيرة مباشر رصد العديد من هذه الردود، التي اتهمت ساعر بممارسة التحريض السياسي وتجاهل أبسط قواعد العمل الصحفي.
التركيز على البنية التحتية للبث الفضائي
الصحفي حمزة عطار انتقد بشدة اتهامات ساعر، مشيرًا إلى أن حديثه يتجاهل حقيقة أن البث الفضائي لا يعتمد على توفر الإنترنت أو الكهرباء المحلية. وأوضح أن المؤسسات الإعلامية الكبرى تعتمد على أنظمة طاقة احتياطية متطورة تضمن استمرار عملها حتى في الظروف الصعبة. وأضاف: “خدم جدعون ساعر كضابط استخبارات سابقًا، وهو يعلم يقيناً أن محطات التلفزيون تستخدم أقمارًا صناعية للبث، وأن جميع القنوات التلفزيونية موجودة في مبانٍ مزودة بمولدات احتياطية مع مخزون يكفي لتشغيلها لأشهر لا لأيام، ولكنه مجرد محرض”.
اتهامات بقمع الإعلام في غزة
من جهته، اتهم حساب “واجه الحقيقة” إسرائيل بممارسة سياسة ممنهجة لقمع الإعلام، مستشهدًا بمنع المؤسسات الصحفية الدولية من تغطية الحرب في غزة، وسقوط أكثر من 300 صحفي فلسطيني ضحية القصف الإسرائيلي. واعتبر أن الخطاب الإسرائيلي حول حرية الصحافة يفتقر إلى أي مصداقية في ظل هذه الظروف المأساوية.
تآكل المصداقية الإسرائيلية
الناشطة ميلوفانا سخرت من الاتهامات الإسرائيلية المتعلقة بالدعاية الإعلامية، معتبرة أن هذا الخطاب لم يعد يحظى بالثقة لدى الرأي العام. وأشارت إلى أن مصداقية الرواية الإسرائيلية تآكلت بشكل كبير حتى بين الدوائر التي كانت تتبناها سابقًا.
تحليل دوافع الانتقادات الموجهة للجزيرة
العديد من المتابعين والمحللين السياسيين قدموا تفسيرات مختلفة لسبب استهداف قناة الجزيرة تحديدًا من قبل وزير الخارجية الإسرائيلي. شيني عبدي أشار إلى المفارقة في هجوم ساعر على القناة، معتبرًا أن متابعته الدقيقة لتغطيتها تعكس مدى اهتمامه بما تبثه، في الوقت الذي يهاجم فيه مضمونها علنًا.
جيري كامينغز رأى أن سبب استهداف الجزيرة يعود إلى استقلالها عن النفوذ السياسي الغربي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الإعلام الغربي يخضع لتأثير الحكومات الداعمة لإسرائيل. وأضاف أن هذا الاستقلال يجعل الجزيرة خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية وأكثر عرضة للهجوم.
سجل إسرائيل في التعامل مع الصحفيين
في تعليق ختامي، اختصر غاريث موقفه بالتذكير بسجل إسرائيل في التعامل مع الصحفيين، مشيرًا إلى منع دخول الإعلام الأجنبي إلى غزة وقتل صحفيين محليين. واعتبر أن هذه الوقائع تتناقض كليًا مع أي ادعاءات تتعلق بالدفاع عن حرية التعبير وحرية الصحافة.
إن تصريحات جدعون ساعر، وردود الفعل عليها، تسلط الضوء على قضية حساسة ومهمة تتعلق بحرية الإعلام في مناطق النزاع. كما أنها تثير تساؤلات حول مدى التزام الدول بضمان سلامة الصحفيين وحمايتهم، وتمكينهم من القيام بعملهم بحرية وموضوعية. من الواضح أن هذه القضية ستظل محط اهتمام ومتابعة في الفترة القادمة، خاصة مع استمرار التطورات المتسارعة في غزة وإيران.



