في تطور لافت يثير تساؤلات حول التحالفات الدولية والاستراتيجيات الجيوسياسية، انتقد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشدة قرار المملكة المتحدة تسليم جزر تشاغوس إلى موريشيوس. هذا الانتقاد يأتي في سياق سعيه السابق للسيطرة على جزيرة غرينلاند الدانماركية، مما يبرز رؤيته الفريدة للأمن القومي والمصالح الأمريكية. يركز هذا المقال على تحليل جزر تشاغوس والجدل الدائر حولها، وتداعياته المحتملة على السياسة الخارجية الأمريكية.
صفقة تشاغوس: تحول في موقف ترامب وانتقادات حادة
في تصريح مفاجئ عبر منصته “تروث سوشيال”، وصف ترامب اتفاقية تسليم جزر تشاغوس إلى موريشيوس بأنها “حماقة كبرى”. هذا التصريح يمثل تحولاً ملحوظاً في موقفه، حيث كان قد أيد الاتفاقية في السابق. الجدير بالذكر أن بريطانيا وقعت في عام 2024 اتفاقية “تاريخية” مع موريشيوس تعترف بسيادة الأخيرة على الأرخبيل، مع الاحتفاظ بقاعدة عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة في جزيرة دييغو غارسيا، وهي الأكبر في الأرخبيل.
ترامب يرى أن التخلي عن هذه الجزر، التي تعتبر ذات أهمية استراتيجية، هو دليل على الضعف. ويضيف أن هذا التخلي يمنح الصين وروسيا فرصة للاستفادة من الموقف، مؤكداً أن هذه القوى لا تحترم إلا القوة. كما ربط ترامب بين قضية تشاغوس وسعيه للسيطرة على غرينلاند، داعياً الدنمارك وحلفاءها الأوروبيين إلى “فعل ما ينبغي”.
الأهمية الاستراتيجية لجزر تشاغوس ودييغو غارسيا
تكمن أهمية جزر تشاغوس في موقعها الاستراتيجي في المحيط الهندي. جزيرة دييغو غارسيا، على وجه الخصوص، تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية حيوية تلعب دوراً محورياً في عمليات المراقبة والاستجابة السريعة في المنطقة. هذه القاعدة تعتبر ضرورية للأمن الإقليمي والعالمي، وتساهم في الحفاظ على حرية الملاحة في هذه المياه الحيوية.
الخوف الأمريكي من فقدان السيطرة على دييغو غارسيا ليس مجرد قلق بشأن القاعدة العسكرية نفسها، بل يتعلق أيضاً بالرسالة التي يبعثها هذا التخلي. فقدان هذه القاعدة قد يُنظر إليه على أنه ضعف في الالتزام الأمريكي تجاه حلفائها في المنطقة، وتشجيع للقوى المنافسة على تعزيز نفوذها.
ردود الفعل الدولية وموقف الإدارة الأمريكية الحالية
على الرغم من انتقادات ترامب، كانت الإدارة الأمريكية الحالية قد أبدت دعمها للاتفاقية بين بريطانيا وموريشيوس. فقد أشاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالاتفاقية، مؤكداً أنها تضمن “استخداماً طويل الأمد وثابتاً وفعالاً” لقاعدة دييغو غارسيا. هذا الدعم يعكس التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على علاقات قوية مع كل من بريطانيا وموريشيوس، والسعي إلى تحقيق التوازن بين المصالح الاستراتيجية والأمنية.
ومع ذلك، فإن تصريحات ترامب قد تثير نقاشاً داخلياً في الإدارة الأمريكية حول مدى ملاءمة هذا الاتفاق. فقد يرى البعض أن الحفاظ على السيطرة الكاملة على دييغو غارسيا هو أمر ضروري للأمن القومي، بينما قد يرى آخرون أن الاتفاقية الحالية توفر ضمانات كافية للاستمرار في استخدام القاعدة بشكل فعال.
مستقبل جزر تشاغوس: بين السيادة والمصالح الجيوسياسية
مستقبل جزر تشاغوس لا يزال غير واضح. على الرغم من الاتفاقية المبرمة بين بريطانيا وموريشيوس، لا تزال هناك بعض القضايا العالقة، مثل حقوق السكان الأصليين الذين تم ترحيلهم من الجزر في الستينيات. موريشيوس تطالب بالاعتراف بحقوق هؤلاء السكان والسماح لهم بالعودة إلى ديارهم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التوترات الجيوسياسية المتزايدة في المحيط الهندي، وخاصة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، قد تؤثر على مستقبل هذه الجزر. فقد تسعى الصين إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، مما قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في موقفها تجاه تشاغوس ودييغو غارسيا. السيادة على جزر تشاغوس أصبحت الآن قضية متشابكة مع المصالح الاستراتيجية الكبرى.
تداعيات محتملة على العلاقات الأمريكية البريطانية
انتقادات ترامب الحادة لبريطانيا بشأن جزر تشاغوس قد تلقي بظلالها على العلاقات الأمريكية البريطانية. على الرغم من أن العلاقة بين البلدين تعتبر “خاصة” ووثيقة، إلا أن الخلافات حول بعض القضايا، مثل هذه الاتفاقية، قد تظهر إلى السطح.
من المهم ملاحظة أن ترامب معروف بأسلوبه المباشر والصريح في التعامل مع القضايا الدولية. قد يكون انتقاده لبريطانيا مجرد محاولة للضغط على الحكومة البريطانية لإعادة النظر في الاتفاقية، أو قد يكون تعبيراً عن قلقه الحقيقي بشأن التداعيات الاستراتيجية لهذا القرار. بغض النظر عن الدوافع، فإن هذه التصريحات قد تتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة من كلا الجانبين لتجنب أي تصعيد في التوترات.
في الختام، قضية جزر تشاغوس هي قضية معقدة تتشابك فيها الاعتبارات السياسية والاستراتيجية والتاريخية. انتقادات ترامب تسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذه الجزر، وتثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية البريطانية في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة. من الضروري متابعة التطورات في هذا الملف عن كثب، وتحليل التداعيات المحتملة على الأمن الإقليمي والعالمي.


