في خضم التحولات الجيوسياسية العميقة وتزايد المخاطر الأمنية العالمية، افتتحت أعمال المؤتمر السنوي لوكالة الدفاع الأوروبية في بروكسل يوم الأربعاء 28 يناير/كانون الثاني 2026. يمثل هذا المؤتمر منصة حيوية لمناقشة وتشكيل السياسة الدفاعية الأوروبية في مواجهة التحديات المتصاعدة، بدءًا من الحرب في أوكرانيا وصولًا إلى التوترات في مناطق مختلفة من العالم. التركيز الرئيسي للمؤتمر هو تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتحديد الأولويات العسكرية للاتحاد الأوروبي في عالم يتسم بعدم اليقين.

تحذيرات من تصاعد المخاطر وتغير الأولويات العالمية

حذرت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، خلال المؤتمر من استمرار حالة عدم الاستقرار المحيطة بأوروبا. وأشارت إلى تصاعد الاحتجاجات في إيران، واستمرار التوترات الدولية، بالإضافة إلى التحدي الذي تمثله الصين. وصفت كالاس الصين بأنها “تحدٍ طويل الأمد” ليس فقط للنموذج الاقتصادي الأوروبي، بل أيضًا لأمن دول المنطقة المحيطة ببحر جنوب الصين.

وأضافت كالاس أن روسيا لا تزال تشكل تهديدًا، حيث أنها قادرة على مواصلة إنتاج الأسلحة بفضل عائدات النفط والمبيعات. وشددت على ضرورة قطع هذه المصادر عن روسيا إذا ما أراد الاتحاد الأوروبي المساهمة بفعالية في وقف الحرب.

نحو استقلالية دفاعية أوروبية

أكدت كالاس أن التحول الأكبر في السياسة العالمية يكمن في قدرة أوروبا على بناء وتطوير قدراتها الدفاعية الجماعية بشكل مستقل داخل الاتحاد الأوروبي. ولكنها شددت على أن هذا لا يعني التخلي عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل تعزيز دور أوروبا كركيزة أساسية داخل هذا التحالف.

وبينما لا يزال الاتحاد الأوروبي يسعى للحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة، التي ستظل “شريكة وحليفة”، أشارت كالاس إلى أن أوروبا لم تعد تحتل مركز الصدارة في اهتمامات واشنطن. هذا الواقع الجديد يفرض على القارة ضرورة التكيف وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية لضمان أمنها واستقرارها.

“الجرس الثالث” ودعوة للتحرك العاجل

استخدمت كالاس استعارة “الجرس الثالث” في المدارس، وهو إشارة إلى حالة الطوارئ، للدلالة على أن أوروبا قد دخلت مرحلة الخطر. ودعت إلى اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في أربعة مجالات رئيسية، على رأسها تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة.

وأشارت إلى أن نقص التكامل في القدرات الدفاعية الأوروبية يعود إلى التركيز المفرط على المصالح الوطنية، وهو ما يضعف أوروبا ويؤخر استجابتها للأزمات. هذا التشتت يعيق قدرة الاتحاد على العمل كوحدة واحدة فعالة في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية ودعم أوكرانيا

فيما يتعلق بالصناعة الدفاعية، شددت كالاس على ضرورة تسريع وتيرة الإنتاج العسكري الأوروبي لتلبية الاحتياجات المتزايدة. وأعلنت عن الحاجة إلى تقديم حوالي 60 مليار يورو كمساعدات عسكرية لأوكرانيا خلال العامين القادمين (2026 و 2027) لتمكينها من الدفاع عن نفسها ضد روسيا. هذا الدعم المالي ضروري لضمان امتلاك أوكرانيا للقدرات العسكرية اللازمة لمواجهة التهديدات.

أوروبا.. من عملاق اقتصادي إلى عملاق سياسي

من جانبه، أكد المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، أن الاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد “عملاق اقتصادي”، بل أصبح “عملاقًا سياسيًا”. وأوضح أن الأزمات المتلاحقة لم تضعف أوروبا، بل زادت من تماسكها ووحدتها.

ووصف كوبيليوس أوروبا بأنها “عملاق نائم” يحتاج إلى توحيد جهوده الدفاعية والعمل كقوة واحدة متماسكة، بدلًا من سياسات وطنية متفرقة. وأشار إلى أن تركيز الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية على مناطق الهند والمحيط الهادئ والغرب يعني أن الأوروبيين يجب أن يتحملوا مسؤولية أكبر عن أمنهم.

الاستقلالية الدفاعية كضرورة استراتيجية

دعا كوبيليوس إلى تحقيق استقلالية دفاعية سريعة “دون تأخير أو مبررات”، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الشراكة الوثيقة مع حلف الناتو. وأوضح أن مستقبل أمن أوروبا يعتمد على التكامل العسكري والصناعي، وتسريع عملية اتخاذ القرار، والاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية الحديثة. في عالم يتجه نحو منطق القوة والصراعات المفتوحة، أصبحت الاستقلالية الدفاعية ضرورة استراتيجية لضمان بقاء أوروبا وازدهارها. إن تعزيز السياسة الدفاعية الأوروبية ليس خيارًا، بل هو واجب تجاه مواطنيها ومستقبلها.

الخلاصة

يؤكد المؤتمر السنوي لوكالة الدفاع الأوروبية على تحول استراتيجي في طريقة تفكير أوروبا في أمنها. فالتحذيرات من المخاطر المتزايدة، والدعوة إلى الاستقلالية الدفاعية، والتركيز على تعزيز القدرات المشتركة، كلها مؤشرات على أن أوروبا تسعى لتصبح لاعبًا أكثر فاعلية ومسؤولية في النظام الدولي. إن الاستثمار في السياسة الدفاعية الأوروبية، ودعم أوكرانيا، وتطوير الصناعة الدفاعية، هي خطوات حاسمة نحو تحقيق هذا الهدف. نتوقع أن تشهد السنوات القادمة تطورات مهمة في هذا المجال، مما يعزز دور أوروبا كقوة عالمية قادرة على حماية مصالحها والدفاع عن قيمها. لمزيد من المعلومات حول التعاون الدفاعي الأوروبي، يمكنكم زيارة المواقع الرسمية لوكالة الدفاع الأوروبية والاتحاد الأوروبي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version